Follow @twitterapi
الردُّ الثالث عشر للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ الثالث عشر للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 4169

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعـده ، وبعـد :

فوفاءً بما وعدت به في مقالي السابق من نقدٍ لبعض أحاديث "مسند الربيع"؛ أبدأ الآن بذكر هذه الأحاديث والكلام عليها ، وفق التصنيف الذي ذكرت ، مبتدئًا بالقسم الثاني ؛ حيث ذكرت في المقال السابق أني سأتجاوز الكلام عن القسم الأول .

2-  أحاديث ليس لها أصل البتَّة ، وإنما وضعها واختلقها من افترى هذا الكتاب .

ومن أمثلة ذلك :

أ - الحديث رقم (1004)، وهو في الجزء الرابع (ص 22)، وهذا نصه :« جابر بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي ))، يحلف جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعةٌ ؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه ، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك : أن الشفاعة لأهل الكبائر ، فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر وما أوعد الله عليه النار ، وذكر أن أنس بن مالك يقول : إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أَعينكم من الشعر ، ما كنا نعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من الكبائر)).

فهذا الحديث لم يرو في شيء من كتب السنة ، وإنما وضعه الإباضية واختلقوه ونسبوه للنبي صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا؛ لنصرة قولهم في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر ، بعد أن عجزوا عن مجابهة حجج أهل السنة وأدلتهم ، ولا والله ! ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما نطق بخلافه .

فقد أخرج الترمذي (2435)، وابن خزيمة في التوحيد (2/651)،وابن حبان في "صحيحه" (14/387 رقم 6468/الإحسان)، والحاكم في "المستدرك"(1/69)، جميعهم من طريق عبدالرزاق ، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).

وسنده صحيح ، وقد صححه الترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، ووافقه الذهبي ، واحتج به ابن خزيمة في التوحيد على إثبات الشفاعة ، وصححه أيضًا من المعاصرين الشيخ الألباني رحمه الله في "صحيح الجامع" (3714)، وشعيب الأرناؤوط في تعليقه على "صحيح ابن حبان".

وله طرق عن أنس ، وروي عن صحابة آخرين ، فانظرها إن شئت في التعليق على "صحيح ابن حبان"، وأشار إليها الألباني في "صحيح الجامع".

ويؤيد ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه في "صحيح مسلم" رقم (94) قال :« أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : (( مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : (( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ))، قُلْتُ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ : (( وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ )) ثَلاثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ : (( عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ ))، قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ)).

ويؤيد ذلك الأحاديث الكثيرة في " الصحيحين " وغيرهما في خروج أناس من هذه الأمة من النار بعد أن امتُحشوا ، وصاروا حممًا ، وأخذوا جزاءهم ، ويأتون الجنة بعد أن أخذ الناس منازلهم ، فيدخلونها ، ويعرفون في الجنة بالجهنميين .

فهذه النصوص - وأمثالها كثير - جميعها تدلّ على خلاف ما يراه الإباضية من أن مرتكب الكبيرة خالد مخلّد في نار جهنم لا يخرج منها بشفاعة ، ولا بأخذ جزاء ، ولا غيره .

وإني لأخاطب عقلاء هذا المذهب من علماء ، وطلبة علم ، وعامة ، فأقول لهم : قال الله تعالى :{ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا }. فلقد أرشدنا الله إلى منهج للتفكر في أي أمر يعرض لنا : بأن نبتعد - حال التفكر - عن الأجواء الجماعية الغوغائية التي تطيش فيها العقول ، ويكون فيها المرء مقودًا بالعاطفة على حساب العقل ، نعم ! نبتعد عن هذه الأجواء، ونخلوا بأنفسنا { وفرادى }، أو الواحد منا مع من يأنس به ويفضي بسرِّه إليه {مثنى}، ثم ينظر بتجرُّد ، كم عمري في هذه الحياة إن سلمت من الآفات : ستون ، سبعون سنة ؟ وكم مضى من هذا العمر ؟ وكم بقي ؟ وما قيمة هذه الحياة في مقابل ما أعدّ الله للمتقين في الآخرة ؟

أأضحي بالحياة الأبديّة السرمديَّة لأجل المذهب ؟ أو القبيلة ؟ أو أنَفَة من اتباع المذهب الفلاني الذي شُحنتُ ببغضه ؟

كيف يرضى عاقل بهذا التناقض : مرتكب الكبيرة كافر في الدنيا كفر نعمة ، فتجوز مؤاكلته، ومشاربته ، ومناكحته ، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، ثم هو في الآخرة خالد مخلّد في نار جهنم لا يخرج منها أبدًا ؟

أوليس مرتكب الكبيرة أب لفلان وفلانة ؟ وزوج لفلانة ؟ وصهر لفلان ؟ ما حال هؤلاء الأبناء مع أبيهم ، والله سبحانه يقول :{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } ؟

ومن التي ترضى لنفسها أن تبقى مع زوج من أهل النار بيقين ، وهي تحلم أن تكون في الجنة مع عشيرها في الدنيا وذريتها ؟

ومن الذي يقبل بمصاهرة رجل من أهل النار حتمًا ؟

أوليس في هذا الفكر تفكيك للأُسر ، بل المجتمع بأسره ؟

بل أليس في هذا الفكر الدفع للتخلي عن الإسلام بالكلية ؟

كيف ؟!

أعجبني في هذا ما ذكره بعض إخواننا ! ومعناه : أن هذا الفكر يقود إلى اليأس والقنوط من رحمة الله. فالتكاليف الشرعية ثقيلة ، لا يصبر عليها إلا من يرجو الثواب ويخاف العقاب ، فهي تَحُول بين المرء وبين شهواته .

وربما كان المرء يتعامل بالربا مثلاً ، ولكنه مع ذلك يصلي ويزكي ويصوم ويحج ، ولا يزني ولا يشرب الخمر ، ولا ....، ولا .... .

فما الذي دعاه لتحمل هذه التكاليف مع كونه يرابي ؟

لأنه يرجو رحمة الله .

فإذا حكمنا عليه بالخلود في النار ، فما النتيجة ؟

سيرفض الإسلام بالكليّة ؛ إذ لا فرق بينه وبين اليهودي والنصراني والمشرك والملحد !

قد تردها هنا الشبهة التي تثار من اتباع هذا الفكر ، وهي : أن من يثبت الشفاعة لأهل الكبائر يشجع على الوقوع فيها .

والجواب عن ذلك سهل ، وهو ما ذكره أهل السنة في التحذير من المعاصي وعقوباتها ، فانظر "الجواب الكافي" لابن القيم مثلاً ، ترى عجبًا من العقوبات الكثيرة التي ذكرها في التنفير من المعاصي ومقارفتها ، مع المحافظة على أصول السنة .

ومن ذلك مثلاً : أن المتساهل في المعاصي قد يختم له بالخاتمة السيئة ، فيموت على غير ملّة الإسلام، فمن الذي يأمن على نفسه بعد خوف النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك )) ؟ !

وبعد خـوف أبي بكر رضي الله عنه وهو يتمنى أنه كان كبشًا فذبحه أهله ، وشربوا مرقته !

وبعد خـوف عمر رضي الله عنه وهو يسـأل حذيفة رضي الله عنه : أَعَدَّني رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين ؟ !

إلى آخر ما هنالك مما هو مذكور في موضعه .

ولا أريد الإطالة أكثر من هذا حتى لا يظن الظافر ومن معه أنه خروج عن موضوع الحوار.

فأعود للكلام عن "المسند"، فأقول :

جاء حديثان قبل هذا الحديث -أعني حديث: (( ليس الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي ))-، وهما :

-  الحديث رقم ( 1002 ) ونصه :« جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تنال شفاعتي سلطانًا غشومًا للناس ورجلاً لا يُراقب الله في اليتيم)))).

-  الحديث رقم ( 1003 ) ونصه :« جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تنال شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه)))).

وسيأتي الكلام عنهما - إن شاء الله تعالى - في القسم الرابع .

وهنا قد يدّعى الظافر أن الجزء الرابع ليس من "المسند"، وإنما هي زيادات ضمها الوارجلاني من روايات محبوب بن الرحيل عن الربيع ... الخ .

وكنت وجهت له سؤالاً في مقالي السابق أطالبه فيه بالحكم على أحاديث هذا الجزء عندهم ، ورغبت في أن يكون الجواب مدعَّمًا بالنقل عن أئمتهم .

فإن قالوا : إنها صحيحة ، فهذا الذي نناقشه ، ويبقى الخلاف في التجزئة والتسمية ، وهذا خلاف صوري .

وإن قالوا : غير صحيحة ، أو فيها تفصيل ، فيلزمهم بيان ذلك للناس .

ونسـألهم على وجه الخصوص عن هذاالحديث - (( ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي ))- ، أصحيح هو عندكم أم لا ؟

فإن قالوا : صحيح ، فلا اعتراض على كلامي السابق إلا بأشياء صورية .

وإن قالوا : غير صحيح ، قلنا : ولِمَ ؟ !

أوليس السند صحيحًا عندكم إلى جابر بن زيد ؟

أوليس الحديث من مراسيل جابر بن زيد ؟

أوليس الجزءان الأول والثاني مليئان بمثل هذا الإسناد ؛ كالحديث رقم (11 و22 و27 ....) وغيرها كثير ؟

بل ما هو من مراسيل أبي عبيدة كالحديث رقم ( 15 ) وغيره .

هذا عدا مراسيل الربيع نفسه ؟

وللحديث بقيــة .

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )