Follow @twitterapi
الردُّ الحادي عشر للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ الحادي عشر للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 3765

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، وبعـد :

فإن النصوص التي نقلتها في المقال السابق تدل على شدة عناية أهل العلم بحفظ الكتاب وصيانته ، وأن الجرح والتعديل يتوجّه لصاحبه متى أحدث فيه زيادة ، أو تغييرًا ، أو غير ذلك من الإحداثات .

 

بل يتوجه الجرح لحفظه وضبطه إذا ما ابتلي بمن يعبث بكتابه ، وإن كان هو عدلاً في نفسه . كالحكاية التي ذكرها الحاكم عن شيخه إبراهيم بن عصمة النيسابوري ، وتقدم نقلها .

 

وشبيه بها ما حصل لقيس بن الربيع الأسدي من ابنه . فقيس هذا عدل في نفسه ، وكان قرين شعبة والثوري ، وأثنى عليه جمع من الأئمة ، كما تكلّم فيه بعضهم وجرحوه ، وبيّنوا سبب الجرح .

 

ذكر عبدالرحمن بن مهدي أن قيس بن الربيع وضعوا في كتابه عن أبي هاشم الرمّاني حديث أبي هاشم إسماعيل بن كثير ، عن عاصم بن لقيط بن صَبرة في الوضوء ، فحدّث به، فقيل له : من أبو هاشم ؟ قال : صاحب الرمّان . قال ابن مهدي : وهذا الحديث لم يروه أبو هاشم صاحب الرمّان ، ولم يسمع قيس من إسماعيل بن كثير شيئًا ، وإنما أهلكه ابن له قَلَب عليه أشياء من حديثه .

 

وقال ابن نمير : كان له ابن هو آفته ، نظر أصحاب الحديث في كتبه ، فأنكروا حديثه وظنوا أن ابنه قد غيّرها . وقال أبو داود : إنما أُتي قيس من قبل ابنه ؛ كان ابنه يأخذ حديث الناس فيدخلها في فُرج كتاب قيس ، ولا يعرف الشيخ ذلك . انظر "تهذيب الكمال" (24/33-34).

 

وحصل مثل ذلك أيضًا لسفيان بن وكيع بن الجراح ، فأبوه إمام بلا منازعة ، ورعى المحدثون لوكيع هذه المكانة في ولده ، إلا أن ابنه سفيان ابتلي بورّاق أدخل بين كتبه ما ليس من حديثه، ونصحه أبو حاتم الرازي ، فقال له :« إن حقك واجب علينا في شيخك وفي نفسك ، فلو صنت نفسك وكنت تقتصر على كتب أبيك لكانت الرحلة إليك في ذلك ، فكيف وقد سمعت ؟ فقال : ما الذي ينقم علي ؟ فقلت : قد أدخل وراقك في حديثك ما ليس من حديثك . فقال : فكيف السبيل في ذلك ؟ قلت : ترمي بالمخرجات وتقتصر على الأصول ، ولا تقرأ إلا من أصولك ، وتنحِّي هذا الورّاق عن نفسك ، وتدعو ابن كرامة وتولِّيه أصولك ، فإنه يوثق به . فقال : مقبول منك . وبلغني أن ورَّاقه كان قد أدخلوه بيتًا يتسمع علينا الحديث ، فما فعل شيئًا مما قاله ، فبطل الشيخ ، وكان يحدث بتلك الأحاديث التي قد أدخلت بين حديثه ، وقد سرق من حديث المحدثين ». اهـ. من "الجرح والتعديل" (4/231-232).

 

وكذا عبدالله بن صالح كاتب الليث ، فإنه كان رجلاً صالحًا ، إلا أنه ابتلي بجار سوء. قال ابن حبان في "المجروحين" (2/40):« سمعت ابن خزيمة يقول : كان له جار بينه وبينه عداوة ، فكان يضع الحديث على شيخ عبدالله بن صالح ، ويكتب في قرطاس بخط يشبه خط عبدالله بن صالح ، ويطرح في داره في وسط كتبه ، فيجده عبدالله فيحدِّث به ، فيتوهّم أنه خطه وسماعه ، فمن ناحيته وقع المناكير في أخباره » اهـ .

 

ولعل هذا الجار هو خالد بن نجيح ، فقد قال البرذعي :« قلت لأبي زرعة : رأيت بمصر أحاديث لعثمان بن صالح عن ابن لهيعة - يعني منكرة -. فقال : لم يكن عثمان عندي مـمَّن يَكْذب ، ولكن كان يسمع الحديث مع خالد بن نجيح ، وكان خالد إذا سَمِعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا ، فـبُلوا به ، وبُلي به أبو صالح أيضًا في حديث زهرة بن معبد ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر ، ليس له أصل ، وإنما هو من خالد بن نجيح ». اهـ. من "تهذيب التهذيب" (2/356).

 

وقال أحمد بن محمد بن سليمان التستري :« سألت أبا زرعة الرازي عن حديث زهرة ابن معبد ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في "الفضائل"، فقال : هذا حديث باطل ، كان خالد بن نجيح المصري وضعه ودلسه في كتاب الليث ، وكان خالد بن نجيح هذا يضع في كتب الشيوخ ما لم يسمعوا ويدلس لهم ، وله غير هذا ». اهـ. من "تهذيب الكمال" (15/105).

 

فمعرفة المحدثين لهؤلاء العابثين بكتب السُّنة تدل على يقظة تامة تقودهم لاكتشاف العلل الخفيّة التي قد تقع في أحاديث الأئمة الذين يُظن بحديثهم السلامة .

 

كذاك الحديث الذي رواه الإمام قتيبة بن سعيد ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر ...، الحديث .

 

قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص120):« هذا حديث رواته أئمة ثقات ، وهو شاذ الإسناد والمتن ...»، إلى أن قال :« فنظرنا فإذا الحديث موضوع ، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون)).

 

ثم استدلّ على ذلك بكشف الإمام البخاري لعلة هذا الحديث ، حين قال لقتيبة :« مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ؟ فقال : كتبته مع خالد المدايني . قال البخاري : وكان خالد المدايني يُدخل الأحاديث على الشيوخ)).

 

فهذا حال الأئمة مع الكتب في القرون الثلاثة الأولى تقريبًا ، حين كان بعضهم يعتمد في حفظه على ما في كتابه .

 

أما في القرن الرابع فما بعده ، فإن السُّنة أصبحت مدونة في كتب وأجزاء حديثية ، وكان المحدثون يتنافسون في رواية هذه الكتب والأجزاء بأسانيد عالية لأنفسهم ، مع كون غيرهم يرويها أيضًا . وللحديث شهوة ، فإذا كان عند المحدِّث شيء يرويه بإسناد فيه علو ، أقبل الناس عليه من كل حدب وصوب للظفر بروايته عنه ، فيحصل لذلك المحدِّث من الفخر على أقرانه ما يجعل بعض ضعاف النفوس يعمد إلى الكذب ، فيدخل نفسه في سماعات بعض الكتب ، أو ينسخ كتابًا ويدعي روايته عن شيخ متقدم ، ويعمد إلى عرضه على النار ، أو وضعه في التراب أو الزيت ؛ ليخفي الكشط فيه ويوهم أنه قديم ، حذرًا من كشف المحدثين له إذا وجدوا الكتاب بخط طريّ كما في بعض الحكايات السابقة .

 

وإليك بعض الوقائع التي تدل على طريقة المحدثين في كشف ما يقع من ذلك وشبهه :

 

ففي ترجمة إبراهيم بن الفضل الأصبهاني من "لسان الميزان" (1/181-182) نقل الحافظ ابن حجر عن ابن طاهر المقدسي قوله عن إبراهيم هذا :« وكان يكذب لنفسه ولغيره في الإجازات ؛ كان له جزء استدعى إجازت ، كل حين يلحق فيه أسماء أقوام من أهل الثروة ، ويكتب لهم عن أولئك المشايخ أحاديث تقرأ عليهم ويشحذهم بها . فقال لي أبو محمد السمرقندي : قد عزمت على أن آخذ منه الجزء ولا أردّه إليه ، ففعل ذلك ، فوجدته ألحق على الهوامش أسماء جماعة لم يكن لهم ذكر في صدر الاستدعاء ، فحبسه السمرقندي ولم يردّه إليه)).

 

وفي ترجمة أحمد بن الحسين أبي بكر الصائن المقدسي (1/255-256) نقل عن ابن النجار قوله :« ادعى سماعًا من شيوخ لم يدركهم ؛ كأبي نصر الزينبي وأبي الحسين ابن النقور وغيرهما ، وظهر كذبه، فتركه الناس ، وكان يحكّ أسماء غيره في الأجزاء ويثبت اسمه ، ويشتري كتبًا وينقل اسمه وأسماء جماعة كانوا معه ، ويعطيها لمن قد نقل اسمه مع القوم فيقول : أثبت هؤلاء في هذا الجزء ، فيفعلون ، ويتغفَّلهم ، ومنهم من يرجع عن ذلك)).

 

وفي ترجمة أحمد بن علي بن بدران الحلواني المقرئ (1/372) نقل عنه قوله :« كان شيخنا ليس له معرفة بطريق الحديث ، روى كتاب "الترغيب" لابن شاهين عن العشاري من نسخة طرية مستجدَّة)).

 

وفي ترجمة أحمد بن علي بن زكريا أبي بكر الطريثيثي (1/327-328) نقل عن السِّلَفي قوله :« كان أجلّ شيخ لقيته ببغداد من مشايخ الصوفية ، وأسانيده عالية جدًّا ، ولم يقرأ عليه إلا من أصوله، وسماعاته كالشمس وضوحًا ، وكفّ بصره في آخر عمره ، فكتب له أبو علي الكرماني - وكان من شيوخ الصوفية - أجزاء طريَّة ، وحدث بها اعتمادًا على قول أبي علي وحسن ظنه به ، وكان الطريثيثي ثقة ، إلا أنه لم يكن يعرف طريق المحدثين ودقائقهم)).

 

وفي ترجمة أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست نقل الخطيب البغدادي في "تاريخه" (5/125) عن الأزهري قوله :« ابن دوست ضعيف ، رأيت كتبه كلها طرية ، وكان يذكر أن أصوله العتّق غرقت ، فاستدرك نسخها »، ونقل عن البرقاني قوله :« قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويُتَرِّبها ليظن أنها عتّق)).

 

وفي ترجمة أحمد بن الحسين بن علي بن شاذان ، المعروف بابن السُّكَّري قال الخطيب (4/112):« وكان بعض كتب جدّه قد ألحق فيه السماع لنفسه بأَخَرةٍ تسميعًا طريًّا)).

 

وفي ترجمة بقاء بن أبي شاكر الحريمي نقل الذهبي في "الميزان" (1/339-340) عن ابن النجار قوله:« كان سيء الطريقة في صباه ، ثم صحب الفقراء وتزهَّد وانقطع ، وغشيه الناس ، وصار له أتباع ، وفتح عليه من الدنيا كثير ، فبنى رباطًا ، وجمع أجزاء كثيرة ، وادعى السماع من أبي منصور ابن خيرون وطبقته ، ووقع بإجازات ، فكشط وأثبت اسمه مكان الكشط، وألقاها في الزيت، فخفي الكشط، ثم حمل ذلك إلى ابن الجوزي فنقله له ولم يفهم ، وكذا نقل له عبدالرزاق الجيلي ، فاعتمد الناس على نقلهما وأخفى الأصول ...، ثم ظهرت أصول الإجازات فافتضح وبان كذبه ، وقد ألحق اسمه في أكثر من ألف جزء ، لا تحلّ الرواية عنه)).

 

ومن شدة عنايتهم بالكتب وضبطها تدخّلوا حتى في الآلات التي يكتب بها وعليها ، والطريقة التي يكتب بها ، فتجدهم عُنُوا بالقلم ونوعه ، والسكين التي يُبرى بها القلم ، وكيف يكون رأس القلم ، وبالكاغد الذي يكتب فيه، والمحبرة، ونوع الحبر الذي يكتب به، ولونه ، ونوع الخط ، والحث على تحسينه وتجويده ، وما ينتهي ويبتدئ به السطر ، والدارات التي توضع عقب كل حديث ، ومتى تنقط الدائرة ومتى لا تنقط ؛ لبيان أن الحديث عورض وروجع أَوْ لا ؟ وهكذا في أبواب عدة كما تجده في "الجامع" للخطيب البغدادي (1/283-436)، ولولا الطول الشديد لذكرت كلامهم في ذلك ، وهو أمر معروف قلّما تجد كتابًا من كتب المصطلح إلا تكلم فيه ، كل ذلك صيانة منهم لجناب الكتب ، إذ هو وسيلة لصيانة الشريعة من الزيف ، فهل بلغت أمة من الأمم ما بلغت هذه الأمة من الذود عن دينها ، وحمايته ؟

 

أولئك آبائـي فجئـنـي بمثلهم إذا جمعــتنا يا ظفـير المجامــع

 

ومن مظاهر هذه العناية عند المحدثين ما نجده من الكمّ الهائل من معاجم الشيوخ التي قلّما تجد محدثًا بعد القرون الثلاثة إلا وألّف معجمًا مختصًّا بشيوخه ، ويذكر عن كل شيخ ما رواه عنه من الكتب ، ثم تجد في الكتاب تلك السماعات التي تصل إلى صفحات عديدة في أحايين كثيرة ، ويذكر في السماع أحيانًا من حضر ذلك المجلس ، ومن خلال تلك السماعات استطاعوا أن يعرفوا كذب بعض الذين يدعون السماع ولم تكتب أسماؤهم كما مرّ في بعض الأمثلة .

 

فمن هنا أصبح من المستحيل ادّعاء كتاب لا تصح نسبته ، وبسبب تظافر هذه الجهود وتراكمها أصبح من السهل اكتشاف زيف تلك الدعوى . ومن نظر في كتب الضعفاء وجد كمًّـا من الكتب الموضوعة التي بيّن أهل العلم وضعها ، كما تجد ذلك في "الكامل" لابن عدي ، و"الضعفاء" للعقيلي، و"المجروحين" لابن حبان .

 

وخذ مثالاً على ذلك :

-  أبو هدبة إبراهيم بن هدبة - ذكر الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص9-10) سنده إلى أبي هدبة هذا ، عن أنس رضي الله عنه ، ثم قال :« وهذه نسخة عندنا بهذا الإسناد». وذكره ابن حبان في"المجروحين"(1/114-115) وقال:« دجال من الدجاجلة)).

 

وفي موضع آخر - في ترجمة عبدالله بن مسلم الدمشقي - (2/44) قال :« وهو الذي روى عن أبي هدبة نسخة كلها معمولة ». ثم ذكر الحاكم نسخة عبدالله بن دينار عن أنس ، وقال :« وهذه أيضًا نسخة كبيرة »، ثم ذكر نسخة موسى بن عبدالله الطويل عن أنس ، وذكر غيرها ، ثم قال :« وفي الجملة أن هذه الأسانيد وأشباهها ؛ كخراش بن عبدالله ، وكثير بن سليم ، ويغنم بن سالم بن قنبر ؛ مما لا يفرح بها ، ولا يحتجّ بشيء منها، وقلّما يوجد في مسانيد أئمة الحديث حديث واحد عنهم)).

 

وهناك نسخ كثيرة لا أرى مزيد فائدة من ذكرها ، ومن طلبها وجدها ، ويمكن مراجعة كتاب "دلائل التوثيق المبكِّر للسنة والحديث" للدكتور امتياز أحمد ، وبالأخص (ص333-334) منه .

 

ولعل كتاب "السياسة" المنسوب لابن قتيبة خير شاهد على نسبة بعض الكتب لبعض الأئمة ولا يثبت عنهم ، وهناك كتابات عديدة بيّنت عدم صحة نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة؛ كرسالة الدكتور عبدالرحيم عسيلان وغيرها .

 

وثمة كتب أخرى أُلصقت ببعض الأئمة ولا تثبت عنهم لا داعي لذكرها ، ولعل فيما ذكر ما يكفي.

ثم إن كل كتاب لابدّ له من أصل خطِّي ، والوقوف على ذلك الأصل يسعف كثيرًا في التعرُّف على الكتاب .

 

وها نحن نرى أصول المطبوع من كتب السنة وغيرها محفوظة في مكتبات العالم أجمع ، مسلمة وكافرة ، عربية ، وأعجمية :

1-  فاسم المكتبة المحفوظ بها .

2-  ورقم الحفظ والتصنيف .

3-  ووصف المخطوط :

أ - في كم ورقة يقع ؟

ب - وكم مقاس الورقة ؟

جـ - وكم عدد الأسطر في كل صفحة ؟

د - وكم مسطرة كل سطر ؟

هـ - وأحيانًا متوسط عدد الكلمات في كل سطر .

و - وهل هي بخط المصنف أو لا ؟

ز - فإن لم تكن بخط المصنف فبخط من ؟

ح - وتاريخ النسخ .

ط - وإسناد النسخة .

ي - وذكر السماعات ، وعلى من سُمعت ؟

 

والأولى بكل كتاب يطبع أن يقوم محققه بدراسة للكتاب يوضح فيها تلك المعلومات ، بالإضافة إلى :

1-  دراسة سند النسخة ، هل تصح نسبتها للمصنف أو لا ؟

2-  هل هناك من رواه من طريق مصنفه ؛ كالسِّلَفي مثلاً في "معجمه"، أو ابن عساكر، أو ابن خير الإشبيلي ، أو الفخر ابن البخاري ، أو الذهبي ، أو ابن حجر ، أو الروداني ؟ ....، وغيرهم كثير .

3-  هل هناك من يروي نصوصًا مستقلة من هذا الكتاب ، وإن لم يؤثر عنه أنه رواه بأجمعه ؟

4-  هل هناك من أشار إلى الكتاب؛ كأن يذكر في ترجمة مصنِّفه على أنه من مصنفاته؟

5-  هل عرَّف به أحد ممن صنَّف في التعريف بالكتب ؛ مثل طاش كبري زاده في "أبجد العلوم"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون"؟ وعذرًا على إزعاجك أيها الظافر بحاجي خليفة.

 

فجميع هذا الدلائل تعطينا طمأنينة بصحة أصل الكتاب ونسبته إلى مصنفه ، وكلما قلّ عددها كانت الطمأنينة أقلّ ، ولاشك أن شهرة الكتاب لها أثرها في توثيق الكتاب ، ولكن أين الشهرة إذا فقدت جميع الدلائل الخمس السابقة ؟

 

ولنعد الآن لربط "مسند الربيع بن حبيب " بهذا كله .

 

فالكتاب له مزايا كثيرة على حد زعمكم ، ومنها :

1-  أنه أقدم المصنفات الموجودة الآن .

2-  أنه أصح كتاب بعد كتاب الله ، ويليه في الرتبة الصحاح من كتب الحديث كصحيح البخاري ومسلم .

3-  أنه أعلى الكتب سندًا .

4-  أن جميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة . يقول عبدالله بن حميد السالمي في مقدمته لهذا الكتاب :« اعلم أن هذا المسند الشريف أصح كتب الحديث رواية ، وأعلاها سندًا ، وجميع رجاله مشهورون بالعلم والورع والضبط والأمانة والعدالة والصيانة ، كلهم أئمة في الدين وقادة للمهتدين ، هذا حكم المتصل من أخباره . وأما المنقطع بإرسالٍ أو بلاغ ، فإنه في حكم الصحيح لتَثَبُّتِ راويه ، ولأنه قد ثبت وصله من طرق أُخر لها حكم الصحة . فجميع ما تضمنه الكتاب صحيح باتفاق أهل الدعوة، وهو أصح كتاب بعد القرآن العزيز ، ويليه في الرتبة الصّحاح من كتب الحديث)).

 

فإذا كان للكتاب هذه المزايا ، وهو الوحيد من كتب مذهبكم التي وجدت وتروي بالإسناد ، فإن الدواعي لوجود نسخه واشتهارها وتداولها بين الناس موجودة ، وبإمكان أي مطالع في "موسوعة أهل البيت" التي صدرت في الأردن وفيها تعريف بأماكن وجود النسخ الخطية لكتب السنة أن يطلع على نسخ كتب السنة المهمة كالصحيحين وغيرهما ، فسيجد كمًّا هائلاً من النسخ يتعب من مطالعته، وهي نسخ كتبت في عصور مختلفة ، وبعضها بخطوط أئمة مشهورين كالنسخة اليونينية لصحيح البخاري ، فهذا شأن الكتاب المشهور الذي له هذه المزايا .

 

فلماذا يا رجل ! لا يعرف أن أحدًا من الأئمة عرف شيئًا عن مسندكم هذا وفيه هذه المزايا ؟ إذا كنت ستعمد لأسلوبك الساخر بي وبأئمة الهدى ومصابيح الدُّجى وجهودهم ، مما يدلّ على إصراركم على فرض هذا " المسند " بالدبوس ، وكما يقال : "عنـزة ولو طارت "، فهذا شأنكم ، ولكن نريد لمن نوّر الله بصيرته أن يطلع على هذا الكلام ، وكما قلت لك في بداية هذا الحوار : ليس المهم أن أقتنع أنا وأنت ، ولكن اعرض ما عندك وأعرض ما عندي ، ودع البقية لمن يقرأ .

 

كما أننا نريد من هذا الحوار أن يبقى للأجيال القادمة ، حتى لا يفاجؤا بمسند آخر ، أو مسانيد، أو صحاح ، أو سنن تخرج ، ويُدّعى أنها كانت موجودة ، ولكن مرحلة الكتمان التي مرّت بها الدعوة منعت غير الإباضية من معرفتها ومعرفة مؤلفيها .

 

ثم إن السالمي ذكر في مقدمته نسخ هذا "المسند" فقال (ص3): « وقع في نسخة المسند تحريف من أقلام النساخ فاستعنا بالله على تصحيحه ، فاجتمعت لنا نسخ كثيرة ، لكنها تتفق في مواضع على السقط ، حتى كأنها أخذت من نسخة واحدة، فبيضنا لمواضع السقط، ثم جاءتنا نسخة غلبت عليها الصحة من جناب شيخنا الكامل قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش ، فوجدنا فيها ما أهملته النسخ العمانية ، فصححنا عليها نسختنا هذه ، فخرجت نسخة صحيحة جامعة لصواب النسخ ، تاركة لتحريفها)).

 

ومن خلال النظر في بعض الحواشي ذكر في (1/19) - نشر مكتبة الثقافة الدينية - في التعليق على الحديث رقم (69) ما يدل على وجود فروق بين ثلاث نسخ ، فأرونا هذه النسخ الكثيرة ، أو الثلاث منها على الأقل ، وعرفوا بها ، متى نسخت ؟ ومن الناسخ ؟ وأين إسنادها ؟ وهل جميعها في مكتباتكم ، فلا يوجد حتى عند الأوروبيين وغيرهم منها شيء ؟!

 

وللحديث بقيـة

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )