Follow @twitterapi
الردُّ السابع للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ السابع للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 4299

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، وبعـد :

فبعد فراغي من الكلام عن الدولة الرستمية ، لابد من ذكر السبب الذي دفعني لذكرها ، فأقول :

2-  ثمرة ذكري لهذه الدولة .

لم يكن من مقصودي هذا الاسترسال في الكلام عن الدولة الرستمية ومتعلقاتها، وإنما دفعني لذلك بعض ما ذكره الظافر في مقاله ، والرغبة في توضيح ما رأيت أن المصلحة في توضيحه .

وثمرة ذكري لهذه الدولة : دفع ما يذكره كتّاب الإباضية في دفاعهم عن "مسند الربيع بن حبيب" ؛ من الزعم بأن عدم ذكر هذا "المسند" في كتب الأوائل ، أو الإشارة إليه : مرحلة الكتمان التي مرّ بها هذا الكتاب . وهي دعوى يعجب المرء من قناعة الظافر وباقي الإباضية بها للأسباب الآتية :

أ - هب أيها الظافر أنك معذور في دعوى استخفاء أبي عبيدة والربيع بن حبيب خوفاً من الولاة في ذلك العصر ، وحرصاً على سرية الدعوة ، الأمر الذي كان سبباً في جهالة علماء الحديث لهم ، وخلوّ مصنفات غير الإباضية من ذكرهم ، فما علاقة الكتاب بهذا كله ؟ أله روح ستنتزع من بين جنبيه؟ أم له لسان سيدلّ به على مواقع الإباضية ؟!

ب - رأيتكم تعجبون كثيراً ممن يثير التساؤلات حول هذا "المسند" وتقولون : إن جميع الأحاديث التي فيه مروية في كتب السنة الأخرى ، فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يخاف من هذا الكتاب؟ وما الذي منع من ظهوره في تلك العصور لينتفع به الناس؟!

جـ - يعلم صغار طلبة العلم ـ فضلاً عن كبارهم ـ حرص المحدثين على علوّ الإسناد، ولا شك أن هذا "المسند"- لو صح - لكان من أوائل ما يتبارى المحدثون على روايته لعلوّ إسناده .

د - تضمّن هذا الكتاب كثيراً من الأحاديث الغرائب - كما سنرى من خلال نقد بعض أحاديث الكتاب -، واهتمام المحدثين بالغرائب أمر يدعو للدهشة ، إذ بها يحكمون على رواتها ، وبها يعرفون علل الطرق الأخرى ، ولعل من يعرف منهج الطبراني في كتابه "المعجم الأوسط" يدرك هذا جيداً ، حتى إن طابع كثير من المؤلفات في القرن الرابع وما بعده كان جمع الغرائب ، كما في الأجزاء الحديثية التي صُنِّفت في ذلك العصر ، فأين هم من هذا الكتاب الذي يجدون فيه بغيتهم ؟

هـ - نرى أن كتب الفرق الأخرى المسندة تعرف عند علماء الحديث ، ويتكلمون عنها ؛ ككتاب "مسند زيد بن علي" الذي يعتمده الزيدية ، وراويه عن زيد هو أبو خالد عمرو بن خالد القرشي، ولم يشك أحد من أهل العلم في ثبوت هذا الكتاب عن عمرو بن خالد كما حصل من الشك في ثبوت "مسند الربيع" عن مؤلفه الربيع بن حبيب ، مع أن الموقف من الكتابين واحد ، فهذا يخص الإباضية ، وذاك يخص الزيدية ، فـ "مسند زيد" اعتبره أهل العلم موضوعاً مكذوباً على زيد ، وضعه عمرو بن خالد هذا ، ولو صحّت نسبة "مسند الربيع" للربيع لاتهموه به كما اتهموا عمرو بن خالد ، لكن لما لم يكن للكتاب وجود في العصور الأولى لم يتكلم عنه أحد بمدح أو قدح.

و - وخاتمة ذلك كله : أننا لو عذرناكم في دعوى اختفاء هذا الكتاب في العصور الأولى بسبب مرحلة الكتمان التي مرّ بها الإباضية وعلماؤهم ومؤلفاتهم ، فإن الكتاب واتته فرصة للظهور والتداول في ظل الدولة الرستمية التي تكلمنا عنها ، والتي استغرق حكمها ستاً وثلاثين ومائة سنة ، فهي أطول عمراً من الدولة الأموية ، وتذكرون عن قوتها وعظمتها واستتباب الأمن والعدل فيها شيئًا يفوق الوصف ، فلماذا لم يظهر الكتاب فترة حكمها ؟ ومن الذي سيهاجمه في ظلها ؟!

وبعد الفراغ من الكلام عن الدولة الرستمية وسبب ذكري لها ، نأتي للكلام عن المصنفات في المذهب الإباضي .

فقد ذكر الظافر في ردّه اثني عشر كتاباً من كتب الإباضية، على أنها من المصنفات التي صنفت قبل سنة (1000هـ) ، وذَكَرَت الربيع بن حبيب ، ومنها :" الطبقات" للدرجيني ، و"السير" للشماخي، وهذان يسهل العثور على الترجمة فيهما .

وأما بقية الكتب ، فهي :

1-  "المدونة" لأبي غــانم .

2-  " جامع ابن جعفــر ".

3-  "جامع أبي الحواري".

4-  " المعـتبر" لأبي سعيد الكدمي.

5-  "جامع ابن بركة".

6-  "جامع أبي الحسن البسيوي".

7-  "السير" لمجموعة من العلماء.

8-  "بيان الشرع" للكندي .

9-  "المصنف" للكندي .

10-                 "الجواهر المنتقاة" للبرادي .

فأرجو من الأستاذ الظافر أن يتحفني برقم الجزء والصفحة الذي ذكر فيه الربيع بن حبيب في هذه الكتب ؛ إذ ليس من أصول الردّ أن تذكر الكتاب الذي قد يتكون من عدة مجلدات ، ولا تذكر الموضع ؛ هذا أولاً .

أما ثانـياً : فإني أعجب من هذه المصنفات في المذهب الإباضي ـ وربما غيرها ـ وبعضها في القرن الثالث ، وبعضها الآخر في الرابع ، ثم الخامس ، والسادس ، والسابع ، والثامن ، وسبب عجبي ما يأتي:

1-  هذه المصنفات لماذا لم يذكرها أحد من أهل العلم ، أو ينقلوا منها ولو للرد عليها كما يصنعون مع الفرق الأخرى ، كالرافضة ، والمعتزلة ، وغيرهم ؟!

2-  لماذا لم يذكرها أصحاب المؤلفات التي عُنوا فيها بذكر جميع ما صُنِّف في سائر الفنـون ، كـ" الفهرست" لابن النديم –على ما في مؤلفه من كلام-، و"مفتاح السعادة" لطاش كبري زادة ، و "كشف الظنون" لحاجي خليفة ، وغيرها ؟! مع أنهم ذكروا في هذه الكتب ما لا يخطر على بال ، فبالإضافة لكتب علوم الشريعة ؛ ذكروا كتب الفرق والمتكلمين ، وكتب الأديان الأخرى من يهود ونصارى وغيرهم ، وكتب الطب والهندسة ، بل كتب الموسيقا والمغنين، بل كتب الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعوذة وأخبار المصورين ، فهل تمكنوا من هذه الكتب وعجزوا عن ذكر كتب الإباضية ؟!

3-  على فرض أنه فاتهم ذكر بعض هذه الكتب ، أيفوتهم ذكرها جميعها ؟

4-  على فرض أنه فاتهم ذكرها جميعها ، أيفوت أصحاب كتب التراجم الترجمة لمؤلفيها ؟ لا لأنهم ألفوا هذه الكتب ، ولكن على الأقل لأنهم من علماء المذاهب الأخرى؟!

5-  ثم إن من المعلوم أن الحروب الصليبية أسفرت عن سلب كثير من المكتبات في العالم الإسلامي كثيرًا من كتبها ، وقدرًا فإن البلاد التي يكثر فيها الإباضية - كعمان ، والجزائر ، وزنجبار - دخلها الاستعمار كما دخل بعض بلاد العالم الإسلامي الأخرى ، فهل استطاع الإباضية صيانة كتبهم عن أن تطولها أيدي المستعمرين وفشل غيرهم ؟!

6-  ألم يكن في مكتبات العالم الإسلامي شيء من هذه الكتب ، أو نسخ منها ، سواء بقيت مع ما بقي ، أو سلبت مع ما سلب ؟!

7-  كم من الفتن التي وقعت بينكم وبين مخالفيكم - وبالأخص في المغـرب العربي -، ويحصل من جراء ذلك لكم قتل وسلب واستيلاء على الديار ، أما كان في جملة ما يسلب شيء من هذه الكتب ؟!

8-  ذكر ابن خلدون في "تاريخه" (11/250) حال بلاد المغرب في عصره سنة ثمان وثلاثين من المائة الثامنة فما بعد ، واستقرار الدعوة الإسلامية بها ، ثم قال :« إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون بدين الخارجية ، ويتدارسون مذاهبهم ، وبينهم مجلدات تشتمل على تأليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم ، وأصول عقائدهم ، وفروع مذاهبهم ، يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها » اهـ.

وقال أيضًا (5/362 -363) وهو يتكلم عن الخوارج :« وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشام ، فلم يخرج بعد ذلك إلا شُذاذ متفرقون يستلحمهم الولاة بالنواحي ، إلا ما كان من خوارج البربر بإفريقية ، فإن دعوة الخارجية فشت فيهم من لدن مسيرة الظُفري سنة ثلاث وعشرين ومائة . ثم فشت دعوة الإباضية والصُفرية منهم في هوارة ولمـاية ونفزة ومغيلة ، وفي مغرواة وبني يفرن من زناتة حسبما يذكر في أخبار البربر ، لبني رستم من الخوارج بالمغرب دولة في تاهرت من الغرب الأوسط نذكرها في أخبار البربر أيضًا. ثم سار بإفريقية منهم على دولة العُبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي ، وكانت له معهم حروب وأخبار نذكرها في موضعها .

ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت وافترقت جماعتهم ، وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أول الأمر . ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه ، وفي مغراوة من شعوب زناتة يسمون الراهبية نسبة إلى عبدالله بن وهب الراهبي ، أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب . وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة . وكذلك في جبال طرابلس وزناتة أثر باق من تلك النِحلة يدين بها أولئك البربر في المجاورة لهم مثل ذلك ، وتطير إلينا هذا العهد من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين ، وتمهيد عقائده وفروعه ، مباينة لمناحي السنة وطرقها بالكلية ، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب ، وبناء الفروع على أصولهم الفاسدة » اهـ.

فهذه الكتب التي ذكر ابن خلدون أنها تطير إليهم ؛ ألم يكن فيها شيء من كتبكم هذه فتعرف ؟!

9-  يكثر تظلم بعض كتاب الإباضية - كما في كتاب " هذه مبادئنا "- من بعض العلماء الذين تكلموا عن الإباضية ومعتقداتها ؛ كأبي الحسن الأشعري في كتابه : "مقالات الإسلاميين"، والبغدادي في "الفرق بين الفرق"، وابن حزم في "الفصل"، والشهرستاني في "الملل والنحل"، ويرى كتاب الإباضية أن هؤلاء العلماء حكموا على الإباضية من غير كتبهم . فإذا كان هؤلاء العلماء على سعة اطلاعهم وعنايتهم بالكتابة في موضوع الفرق لم يطلعوا على كتب الإباضية ، بل حكموا عليهم بالنقل عن غيرهم ، فأين كانت تلك الكتب ؟

10-  لعل مما يساعد في توضيح الفقرة السابقة قول شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفرقان بين الحق والباطل" (ص37): « وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف كما وقفنا على كتب المعتزلة والرافضة والزيدية والكرامية والأشعرية والسابلية وأهل المذاهب الأربعة والظاهرية ومذاهب أهل الحديث والفلاسفة والصوفية ونحو هؤلاء ». اهـ.

فلا العلماء السابقون ، ولا شيخ الإسلام ابن تيمية وقفوا على هذه الكتب ، فأين كانت ؟!

11-  الذي يظهر أن التأليف عند الإباضية لم يأخذ حظه من العناية إلا في القرون المتأخرة ، وعبارة ابن خلدون تشعر بهذا ، ولو كان هناك تصانيف متقدمة لوقف عليها العلماء السابق ذكرهم ، فإن أردت أيها الظافر إثبات عكس ذلك ، فطرق أهل العلم معروفة في توثيق النصوص ، وإثبات صحة نسبة الكتب إلى مصنفيها ، ومعرفة أصولها ، وهذا ما سيأتي الحديث عنه إن شاء الله ، وأظن الطريق طويل عليك !

وللحديث بقيـة .

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )