Follow @twitterapi
الردُّ السادس للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ السادس للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 5165

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، وبعـد :

 

فقد ذكرت في مقالي السابق رأي الإباضية في نشأة الدولة الرستمية بالمغرب.

 

ونأتي في هذا المقال على ذكر الرأي الثاني:

 

ب- وهو رأي باقي المؤرخين من غير الإباضية الذين ذكروا هذه الدولة ، ولم يذكروا لأبي عبيدة سبباً فيها ، شأنها شأن باقي الدول التي قامت في الشمال الإفريقي (المغرب) آنذاك.

 

وهذا يضطرنا إلى معرفة تاريخ دخول رأي الخوارج في الشمال الإفريقي وأسبابه.

 

فكتّاب الإباضية يبالغون في تصوير دور أبي عبيدة ، حتى إنه ليخيل للقارئ أن الخارجية ما وصلت للمغرب إلا عن طريق أبي عبيدة ودعاته الخمسة المتقدم ذكرهم ـ أبو الخطاب وابن رستم ومن معهما ـ، وليس الخارجية فقط ، بل الإسلام أجمع.

 

يقول البوسعيدي في كتابه "حملة العلم إلى المغرب" (ص15-16) وهو يذكر مجالس إعداد الدعاة السرية التي كان يعقدها أبو عبيدة بالبصرة: «حيث كان الدعاة الذين تم اختيارهم على أيدي رجال مهرة لهذا الغرض من مختلف الأمصار يتلقون العلم وأصول الدعوة وتعاليمها وتخطيطاتها عن الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي ، وعن شيوخ الإباضية البارزين الموثوقين.

 

في هذه المجالس التي أعدت بإحكام لأداء الغرض المنوط بها ، وهو إعداد جيل يستطيع أن يضطلع بالمهمة الشاقة التي سوف يتحملها إذا ما غدا خارجاً من سراديب البصرة التي كانت تعتبر بحق أهم مركز إشعاع عرفه الفكر الإباضي.

 

تلك السراديب التي خرجت أولئك الرجال الأبطال الأفذاذ الذين برهنوا للعالم أنهم أهل للمسئولية التي كانت ترجوها منهم الحركة الإباضية الأولى.

 

فهم مشاعل خير ، وآمال أمة ، وحملة للعلم إلى بلادهم وأمصارهم التي أتوا منها ، فقد أسلفنا أنهم أتوا من أماكن مختلفة ، فمنهم من أتى من عمان ؛ كالربيع بن حبيب الفراهيدي ، وبشير بن المنذر النزواني ، ومحمد بن المعلا الكندي ، وراشد بن عمر الحديدي ، وأبي حمزة المختار بن عوف ، وبلج بن عقبة الفراهيدي ، والجلندى بن مسعود ، وغيرهم.

 

ومنهم من أتى من اليمن ؛ كسلمة بن سعد الحضرمي ، وعبد الله بن يحي الكندي طالب الحق ، وأبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ، وأبي أيوب وائل بن أيوب الحضرمي.

 

ومنهم من أتى من الحجاز ؛ كمحمد بن سلمة المدني ، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل القرشي المكي، وأبي الحر علي بن الحصين.

 

ومنهم من أتى من خراسان ؛ كهلال بن عطية الخراساني ، وأبي عيسى الخراساني، وأبي عبد الله هاشم بن عبد الله الخراساني.

 

ومنهم من أتى من مصر ؛ كمحمد بن عباد المصري ، وعيسى بن علقمة المصري.

 

وقد تعلم ناس من نفس العراق أيضاً ؛ كأبي غسان مخلد بن العمرد الغساني العراقي ، وعبد الملك الطويل ، وأبي سعيد عبد الله بن عبد العزيز.

 

ومنهم من أتى من الشمال الإفريقي (بلاد المغرب) ؛ مثل: عبد الرحمن بن رستم الفارسي ، وعاصم السدراتي ، وإسماعيل بن درار الغدامسي ، وأبو داؤد القبلي.

 

الذين أطلق عليهم لقب (حملة العلم إلى المغرب) بعد أن انضم إليهم أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني ، فكوّن هؤلاء الخمسة هذه الحملة المباركة التي آتت ثمارها الطيبة في بلاد المغرب كما سوف نرى من خلال الأحداث الآتية سيرة وآثار هؤلاء الدعاة الذين كان لهم الفضل الأكبر في قيام الصبغة الإباضية في بلاد المغرب» ا.هـ.

 

ويقول أيضا (ص17-18): « أما سكّان المغرب فكان اسمهم الأمازيغ نسبة إلى جدهم مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح ، ثم سمّاهم العرب بربراً بتفخيم الراءين ، للغتهم التي لا يفهمونها.

 

وكان البربر ينقسمون إلى طائفتين متباينتين: البربر البرانس ـ أو الحضر ـ ، وكانوا ينزلون السهل الساحلي الذي يقع بين الجبال والبحر ثم ينتشرون على طول الجبال الممتدة من الشرق إلى الغرب في السفوح المزروعة والنواحي الخصيبة ، أما البربر الرحل ـ أو البتر ـ ، فكانوا يعمرون الصحاري والواحات التي تلي ذلك جنوباً وشرقاً.

 

كانت بلاد المغرب قبل الإسلام وبعد فتحها على يد الفاتحين الأوائل من المسلمين المجاهدين وطناً واحداً ، وكانت القبيلة الواحدة تتفرق في كافة أجزائه.

 

وإذا رجعنا إلى دخول الإسلام بلاد المغرب ، فإننا نجد أن الفضل الأول كما أسلفنا إلى الفاتحين الأوائل من المسلمين ، ولكن الفضل الأكبر في نشر الإسلام وازدهاره في بلاد المغرب في الثلاثة القرون الأولى للهجرة يرجع في المقام الأول إلى دعاة الإباضية الذين انطلقوا من المشرق ، فربطوا بينهم وبين بلاد المغرب على بعد المشقة بين المشرق والمغرب.

 

وفي القرن الثاني والثالث الهجري ظهر أثر جهد هؤلاء الدعاة ، فقامت الإمامة الإباضية ، وتمخض شرق المغرب الأدنى والمغرب الأوسط عن الدولة الإباضية الكبرى التي التزمت في سياستها الدين القويم ، وأحيت سيرة الخلفاء الراشدين ، فتقدمت بلاد المغرب في كل نواحي الحضارة الإسلامية ، وصار المغرب الإسلامي العربي حصناً منيعاً للدّين ، ورمزاً للأخوة الإسلامية والعربية» ا.هـ.

 

فالخارجية إذاً سرت في قبائل البربر، والذي سمّاهم بهذا الاسم هو أفريقش بن قيس ابن صيفي أحد ملوك التبابعة لما غزا المغرب ، ورأى هذا الجيل وكثرة كلامهم ، وسمع رطانتهم ، ووعى اختلافها وتنوعها ، تعجب من ذلك وقال: « ما أكثر بربرتكم !! » فسمّوا البربر ، والبربرة بلسان العرب: اختلاف الأصوات غير المفهومة. انظر "تاريخ ابن خلدون" (11/176 و184-185).

 

ومن صفات هذا الجنس من البشر: العنف والشدة والأنفة ، وكونهم ليسوا أهل دين سابق يجمعهم بل كانوا على حال عظيم من الجهل قبل دخول الإسلام ، واستمر ذلك في بداية الفتح الإسلامي.

 

ينقل ابن خلدون في "تاريخه" (11/205 و220) عن أبي محمد ابن أبي زيد أن البربر ارتدوا بإفريقية المغرب من طرابلس إلى طنجة اثنتي عشرة مرة ، ولم يستقر إسلامهم إلا في أيام موسى بن نصير ، وقيل بعدها.

 

وقال ابن خلدون (11/212): « هؤلاء البربر جيل ذو شعوب وقبائل أكثر من أن تحصى حسبما هو معروف في تاريخ الفتح بإفريقية والمغرب ، وفي أخبار ردتهم وحروبهم فيها نقل ابن أبي الرقيق: أن موسى بن نصير لما فتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك أنه صار لك من سبي سقوما مائة ألف رأس. فكتب إليه الوليد بن عبد الملك: ويحك! إني أظنها من بعض كذباتك ، فإن كنت صادقاً فهذا محشر الأمة ، ولم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل وإلى الإسكندرية عامرة بهذا الجيل ما بين البحر الرومي وبلاد السودان منذ أزمنة لا يعرف أولها ولا ما قبلها. وكان دينهم دين المجوسية شأن الأعاجم كلهم بالمشرق والمغرب إلاّ في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم. فإن الأمم أهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم فقد غزتهم ملوك اليمن من قرارهم مراراً على ما ذكر مؤرخوهم ، فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم » ا.هـ.

 

وقال أيضاً (11/220-221): « وذكر أبو محمد ابن أبي زيد أن البربر ارتدوا اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة ، ولم يستقر إسلامهم حتى أجاز طارق وموسى بن نصير إلى الأندلس بعد أن دوّخ المغرب ، وأجاز معه كثير من رجالات البربر وأمرائهم برسم الجهاد ، فاستقروا هنالك من لدن الفتح ، فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه ، ورسخت فيهم كلمة الإسلام وتناسوا الردة. ثم نبضت فيهم عروق الخارجية ، فدانوا بها ولُقِّنوها من العرب الناقليها من منبعها بالعراق. وتعددت طوائفهم وتشعبت طرقها ، من الإباضية والصفرية كما ذكرنا في أخبار الخوارج. وفشت هذه البدعة وأعقدها رؤوس النفاق من العرب وجراثيم الفتنة من البربر ؛ ذريعة إلى الانتزاء على الأمر، فاختلوا في كل جهة ، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر ، تتلون عليهم مذاهب كفرها ، ويلبسون الحق بالباطل فيها ، إلى أن رسخت فيهم كلمات منها ، ووشجت بينهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمراء العرب ، فقتلوا يزيد بن أبي مسلم سنة اثنتين ومائة لما نقموا عليه في بعض الفعلات. ثم انتقض البربر بعد ذلك سنة اثنتين وعشرين ومائة في ولاية عبد الله بن الحبحاب أيام هشام بن عبد الملك لما أوطأ عساكره بلاد السوس ، وأثخن في البربر وسبى وغنم ، وانتهى إلى مسوفة فقتل وسبى وداخل البربر منه رعب ، وبلغه أن البربر أحسوا بأنهم فيء للمسلمين، فانتقضوا عليه ، وثار ميسرة المطغري بطنجة على عمرو بن عبد الله فقتله ، وبايع لعبد الأعلى بن جريج الإفريقي روميّ الأصل ومولى العرب ، كان مقدّم الصُفْرِيَّة من الخوارج في انتحال مذهبهم ، فقام بأمرهم مدة ، وبايع ميسرة لنفسه بالخلافة داعياً إلى نحلته من الخارجية على مذهب الصفرية ، ثم ساءت سيرته ، فنقم عليه البربر ما جاء به ، فقتلوه وقدموا على أنفسهم خالد بن حميد الزناتي» ا.هـ.

 

فدخول رأي الخوارج ـ من الإباضية والصفرية ـ إلى المغرب إذاً كان في وقت مبكر مع بداية الفتح الإسلامي من بعض العرب القادمين مع الفتح ، ولم ينتظر دعاة أبي عبيدة الخمسة ، وهذا عكرمة البربري معروف بنزعته الخارجية ، وهو مولى وتلميذ ابن عباس المتوفى سنة (68هـ).

 

وأمر آخر أيضاً ، وهو أن رجوع هؤلاء الخمسة إلى المغرب كان في سنة (140هـ)، وقيام دولة أبي الخطّاب المعافري كان في نفس السنة ، فهل استطاع أبو الخطّاب وأصحابه نشر الدعوة وإقامة الدولة بهذه السرعة ؟!

 

وقد صادف رأي الخوارج هذا محل قبول في قبائل البربر لأسباب عدة، من أهمها:

 

1-  الجهل: فالبربر كانوا أمة عالة على غيرهم من الأمم في الديانة ، فمنهم المجوس، ومنهم النصارى، ومنهم من لا دين له كما تدل عليهم مقولة أحد ملوك المغرب ـ واسمه يليان ـ كما في البيان المغرب (1/26) ، وذلك أنه لمّا سالم عقبة بن نافع رحمه الله ونزل على حكمه ، قال: « قد تركت الروم وراء ظهرك ، وما أمامك إلا البربر ، وهم مثل البهائم ، لم يدخلوا في دين نصرانية ولا غيرها ، وهم يأكلون الجيف ، ويأكلون مواشيهم ويشربون دماءها من أعناقها ، فقد كفروا بالله العظيم فلا يعرفونه ، ومعظمهم المصامدة» ا.هـ.

 

فليس لهم إذاً ديانة مستقلة يحملونها ويدافعون عنها ، ولما دخلت طلائع الفتح الإسلامي وقفوا في وجه الإسلام أَنَفَةً أن يحكموا من غيرهم ، فإن كانت الدائرة عليهم أظهروا الإذعان لحكم الإسلام ، ومتى ما وجدوا فرصة للانتقاض انتقضوا ورجعوا إلى ما كانوا عليه ، وهذا الذي قصده أبو محمد ابن أبي زيد بقوله: إنهم ارتدوا اثنتي عشرة مرة. وكان لثوراتهم المتكررة أثر كبير في إضعاف شوكة المسلمين الفاتحين ، وإلا لاكتسحوا أوروبا بأكملها ، ولم يقفوا عند الأندلس فقط ، ومن يقرأ في كتب التواريخ ، ويطّلع على أخبارهم في مقاومة الفتح يجد عجباً.

 

وقد أدرك بعض المصلحين من الفاتحين مكمن الخطر في هذا الجنس من البشر ، ورأى أن أفضل الحلول: تعليمهم ، وتفقيههم ، ليعلموا أن القصد ليس الاستيلاء على الأرض وسلب الأموال ، وإنما نشر هذا الدّين ، فإذا خضعوا لحكم الإسلام عصموا دماءهم وأموالهم ، وأصبحوا جزءاً من هذا الكيان العظيم. فهذا موسى بن نصير رحمه الله يحكي عنه ابن عذاري المراكشي في "البيان المغرب" (1/42) أن البربر لما رأوا ما أوقع بهم رحمه الله من القتل والسبي استأمنوا وأطاعوا ، فولى عليهم والياً ، وأمر العرب أن يُعلِّموا البرابر القرآن ، وأن يفقهوهم في الدين ويعلموهم شرائع الإسلام ، وترك فيهم سبعة عشر رجلاً من العرب يعلِّمونهم ، فحصل من جرّاء ذلك خير كثير ، حيث تم إسلام أهل المغرب الأقصى ، وبنيت المساجد ، إلا أن هذا إنما حصل لبعضهم ، وبعضهم الآخر بقوا على جهلهم، وإليك هذا الخبر الذي ذكره ابن عذاري في "البيان المغرب" (1/56-57) في حوادث سنة (124هـ) حيث قال: « ذِكْرُ برغواطة وارتدادهم عن الإسلام: قال ابن القطان وغيره: كان طريف من ولد شمعون بن اسحاق ، وإن الصفرية رجعت إلى مدينة القيروان لنهبها واستباحتها في ثلاثمائة ألف من البربر مع أمير منهم ، وكانوا قد اقتسموا بلاد إفريقية وحريمها وأموالها ، فهزمهم الله تعالى بأهل القيروان ، وهم في اثني عشر ألف مقاتل ، نصرهم الله تعالى عليهم ، وخبرهم طويل يمنع من إيراده هنا خيفة التطويل. وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر ، وإليه تنسب جزيرة طريف. فلما هزمهم الله بأهل القيروان ، وتفرقوا ، وقُتِل من قُتِل منهم ، وتشتت جمعهم ، سار طريف إلى تامسنا ـ وكانت بلاد بعض قبائل البربر ـ ، فنظر إلى شدة جهلهم ؛ فقام فيهم ، ودعا إلى نفسه ، فبايعوه وقدَّموه على أنفسهم ، فشرع لهم ما شرع ، ومات بعد مدة، وخلَّف من الولد أربعة ، فقدم البربر ابنه صالحاً ، فأقام فيهم على الشرع الذي شرعه أبوه طريف، وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ومغرور بن طالوت الصفريين اللذان كانا رأس الصفرية ، فادّعى أنه أُنزل عليه قرآنهم الذي كانوا يقرءونه ؛ وقال لهم إنه صالح المؤمنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز ، وعهد صالح إلى ابنه إلياس بديانته ، وعلّمه شرائعه ، وفقهه في دينه ، وأمره ألاّ يظهر الديانة حتى يظهر أمره ، وينتشر خبره ، فيقتل حينئذ من خالفه ، وأمره بموالاة أمير المؤمنين بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق ، ووعده أنه يرجع في دولة السابع من ملوكهم ، وزعم أنه المهدي الذي يكون في آخر الزمان لقتال الدجال ، وأن عيسى – عليه السلام - يكون من رجاله ، وأنه يصلي خلفه. وذكر في ذلك كلاماً نسبه إلى موسى - عليه السلام.

 

فولي بعد خروجه إلى المشرق ابنه إلياس خمسين سنة. فكتم شريعته إلى سنة 173هـ » ا.هـ.

 

2-  ظلم الولاة: مما لا شك فيه أن حكام بني أمية يختلفون ، فمنهم صحابة كمعاوية – رضي الله عنه - ومنهم إمام عادل كعمر بن عبد العزيز رحمه الله ، ومنهم طالب ملك ، مقبل على الشهوات ، وهؤلاء يختلفون ، فبعضهم عنده توسع في المباحات ، بل إسراف فيها ، إلا أن ذلك لم يوقعه في الحرام ؛ كشرب الخمر والزنا ونحوهما ، ومع ذلك فهو غيور على الإسلام راغب في الجهاد ؛ كسليمان بن عبد الملك ، ومنهم من وقع في الحرام نسأل الله السلامة.

 

وهؤلاء الولاة أسندوا أمر الفتوحات إلى ولاة آخرين ، فمنهم أناس أهل تقى وصلاح كعقبة بن نافع وموسى بن نصير ، ومنهم غير ذلك ، وهؤلاء وقع منهم ظلم لبعض البربر ؛ كعمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها ، فيحكي ابن عذاري في "البيان المغرب" (51-52) عنه أنه: "أنه أساء السيرة وتعدى في الصدقات والعشر ، وأراد تخميس البربر ، وزعم أنهم فيء المسلمين ، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله ، وإنما كان الولاة يُخَمِّسون من لم يُجِبْ للإسلام. فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ، ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد ، نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله! » ا.هـ.

 

ويقول ابن خلدون (11/239-240): « ولما ولي عبيد الله بن الحبحاب على إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك ، وأمره أن يمضي إليها من مصر ، فقدمها سنة أربع عشرة ، واستعمل عمر بن عبد الله المرادي على طنجة والمغرب الأقصى ، وابنه إسماعيل على السوس وما وراءه. واتصل أمر ولايتهم ، وساءت سيرتهم في البربر ، ونقموا عليهم أحوالهم وما كانوا يطالبونهم به من الوصائف البربريات ، والأفرية العسلية الألوان ، وأنواع طرف المغرب فكانوا يتغالبون في جمعهم ذلك وانتحاله ، حتى كانت الصرمة من الغنم تستهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها ، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه. فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر وجورهم عليهم ، وامتعض لذلك ميسرة الحفيد زعيم مطغرة ، وحمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة ، فقتلوه سنة خمس وعشرين ، وولى ميسرة مكانه عبد الأعلى بن خدع الإفريقي الرومي الأصل ؛ كان من موالي العرب وأهل خارجيتهم ، وكان يرى رأي الصفرية ، فولاه ميسرة على طنجة ، وتقدم إلى السوس فقتله عامله إسماعيل بن عبد الله ، واضطرم المغرب ناراً ، وانتقض أمره على خلفاء المشرق ، فلم يراجع طاعتهم بعد » ا.هـ.

 

3-  حقد البربر على الفاتحين: فيرون أنهم جنس غريب عليهم ـ عرب ـ يريد الاستيلاء على بلادهم وثرواتهم ؛ كما في مقولة ملكتهم الكاهنة: « إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة ، ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي ، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد إفريقية كلها حتى ييئس منها العرب ، فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر ». انظر البيان المغرب (1/36).

 

4-  ملاقاة الفكر الخارجي لطبائع البربر: فالقسوة ، والثورة لأدنى سبب من سمات الفكر الخارجي ، وهذه تتناسب مع طباع البربر ، فكيف إذا انضاف إلى ذلك باقي الأسباب؟!

 

5-  شهوة الحكم: وهي التي يعبر عنها ابن خلدون بقوله ـ فيما سبق نقله ـ: « ذريعة إلى الانتزاء على الأمر ». فإذا كان هناك شهوة جامحة ، ورغبة في الملك ، ووجد الطالب لذلك ذريعة يتذرع بها للوصول لهدفه ؛ وانضافت هذه الأسباب بعضها إلى بعض، أوجدت أرضا خصبة للفكر الخارجي ولا شك.

 

وقد أساء رأي الخوارج للبربر مع باقي الطباع حتى أصبح كثير من الناس يستنكف عن الانتساب إليهم كما تجد شيئاً من ذلك عند ابن خلدون في "تاريخه" (11/206) ، مع أن فيهم من الفضائل ما لا ينكر، وبعد اضمحلال رأي الخوارج فيهم نبغ فيهم علماء وصالحون كما تجد تفصيل ذلك في "تاريخ ابن خلدون" أيضاً (11/205-211) ؛ حيث عقد فصلا عنون له بقوله: « الفصل الثالث: في ذكر ما كان لهذا الجيل قديماً وحديثاً من الفضائل الانسانية ، والخصائص الشريفة الراقية بهم إلى مراقي العز ومعارج السلطان والملك".

 

ونعوذ بالله من دعوى الجاهلية التي قال عنها المصطفى- صلى الله عليه وسلم – "دعوها فإنها منتنة »، وأرجو ألا يساء فهم الكلام السابق ، فكلنا يعلم أن الإسلام جاء والعرب في جاهلية جهلاء ، فهذّبهم، ووصف الله سبحانه جهلة الأعراب بقوله: { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم }، ثم قال سبحانه: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ... } الخ الآية.

 

وهكذا الكلام السابق إنما يتنزل على من لم يتخلق بأخلاق الإسلام ويتأدب بآدابه، سواءً كان من البربر أو غيرهم ، إلا أنه إذا انضاف إلى البعد عن هدي الإسلام الطبائع المشار إليها ، لم يبعد ما ذُكر، والله أعلم.

 

وللحديث بقية

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )