Follow @twitterapi
الردُّ الخامس للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ الخامس للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 4624

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ، وبعـد :

 

فقد ذكرت في مقالي السابق عددًا من الإيرادات التي تدل على أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة شخصية مجهولة ، لا كما يصوره كتاب الإباضية وعلماؤهم ؛ من وصفه بأوصاف تدل على مكانته، وشهرته ، وقيادته للحركة الإباضية بعد جابر بن زيد .

 

ومع ما سبق أضيف هنا ثلاثة أمور- وقد يكون هناك أكثر مما ذكرت-.

 

الأمـر الأول : يذكر الإباضية في كتبهم مبالغة أبي عبيدة في السرية ، إلا أنه « رغم هذا التنظيم وهذه السرية ما كان ليسلم أبو عبيدة من أن يقع في فخ المكائد التي تحبك له. فقد وقع أبو عبيدة في قبضة الدولة الأموية التي وكلت أمر البصرة لذلك الطاغية الحجاج ابن يوسف الثقفي الذي نفى جابر بن زيد إلى عمان ، ثم سجن أبا عبيدة وضمامًا وكثيرًا ممن معهما من أهل الاستقامة » اهـ. من "حملة العلم إلى المغرب" (ص9) لسيف بن أحمد البوسعيدي الإباضي ، وأحال على كتاب " أبو حمزة الشاري " (ص76).

 

ونقل البوسعيدي (ص9-10) أيضًا عن الدرجيني أنه قال في "الطبقات" (2/247): « بلغنا عن ضمام حين سجنه الحجاج هو وأبو عبيدة قال : أدخلنا في سجن ، قال : فلم يكن يوصل إلينا ولا يدخل علينا حديدة ولا جلم ، قال: وإنما كنا نقص شواربنا بأسناننا، وإن كان الرجل منا لينفض لحيته فيتساقط منها القمل ، قال : وإنما كان يطعمنا خبز الشعير والملح الجرش ، قال : ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ، ثم يؤتى بملح فيلقى في تلك المراكن ، ثم يضرب حتى يخرج رغوته ، ثم يقال : يا أهل السجن ! خذوا ماءكم ، قال : فمن أخذ من أوله كان أمثل قليلاً ، ومن أخذ من آخره فهو العذاب ، قال : فكان ضمام ربما ضاق فيقول له أبو عبيدة : ويلك ! ما هناك على من تضيق وعلى من تدل » اهـ. وهذه الحادثة ذكرها أيضًا الشماخي في " السير " (1/81).

 

فحادثة اعتقال أبي عبيدة هذه تدل على أن شهرته في قيادة التنظيم كسرت طوق السرية التي أحاط بها نفسه وعمله ، وأصبح تنظيمه مكشوفًا للحجاج بن يوسف ، مما حدى به إلى اعتقاله ، فلا معنى إذًا لدعوى أن مرحلة الكتمان وسرية العمل كانت سببًا في خمول ذكر أبي عبيدة عند غير الإباضية - وبخاصة في كتب التراجم والتواريخ - ما دام التنظيم قد كشف ، وقيادته قد عُرفت ، وهذا مما يؤكد ما ذكرته سابقًا من زيف تلك المعلومات التي يدلي بها الإباضية عن شخصية أبي عبيدة .

 

ثم إن نفس الحدث - أعني حدث اعتقال أبي عبيدة ومن معه - مدعاة لذكره في الحوادث التي يُعنى بكتابتها المؤرخون الذين عنوا بذكر مظالم الحجاج وتعذيبه لخصومه ، وقد ذكروا ما هو أقل من هذا!

 

الأمر الثاني : نقل البوسعيدي أيضًا (ص 12) عن الدرجيني أنه ذكر في "الطبقات" (2/246) أن واصل بن عطاء - إمام المعتزلة - كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول : لوقطعته قطعت الإباضية ، فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه ، إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه ، فقيل لواصل : هذا أبو عبيدة في الطواف ، فقام إليه واصل فلقيه ، وقال : أنت أبو عبيدة ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني أنك تقول : إن الله يعذب على القدر ؟ فقال أبو عبيدة : ما هكذا قلت ، لكن قلت : إن الله يعذب على المقدور ، فقال أبو عبيدة : وأنت واصل بن عطاء ؟ قال : نعم ، قال : أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يُعصى بالاستكراه ؟ فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء ، ومضى أبو عبيدة، وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ، يقولون: كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج، وسألك فلم تجب ، فقال واصل : ويحكم ! بنيت بناء منذ أربعين سنة ، فهدمه وأنا قائم ، فلم أقعد ولم أبرح مكاني » اهـ.

 

ومثل هذا الحِجاج للقدرية الحاجة ماسة لذكره في كتب العقائد ، بل وكتب المعتزلة أنفسهم ، فلماذا لم يذكر ؟ والحادثة تؤكد أن شهرة أبي عبيدة بلغت إلى حد أن يتمنى هذا المتكلم رأس المعتزلة لقاءه ، فهل بلغ الشحّ بالكتَّاب أن يبخلوا على أبي عبيدة بقطرة من الحبر يذكرون فيها شيئًا من علمه وصفاته ؟!

 

الأمـر الثالث : ذكرت في المقال الأول ذلك النقل الذي زعم القنوبي أنه أخذه عن "الكامل" لابن الأثير ، والحقيقة أنه أخذه عن "السير" للشماخي الإباضي (1/85)، والنقل يصور أن أبا عبيدة كان معروفًا عند الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور معرفة دفعته للقول عندما بلغه خبر موته :" وإنه قد مات ؟! " فرجّع ، وقال :" ذهب الإباضية".

 

فهل يمكن أن نتصور رجلاً يكون بهذه الشهرة ، وهذه المكانة ، ومع ذلك يهمل ذكره المؤرخون والمترجمون ؟

 

وبعد الفراغ من الكلام عن شخصية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، نأتي للكلام عن الدولة الرستمية.

 

فقد أشار الظافر في رده إلى أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة استطاع أن يقيم ثلاث دول ، الأولى في حضرموت واليمن على يـد طالب الحـق ، والثـانية في عمـان على يد الجلنـدي بن مسعود ، والثالثـة في المغرب على يد أبي الخطاب المعافري .

 

وكنت ذكرت في مقالي - الذي أثار هذا النقاش - أن "مسند الربيع" واتته فرصة للظهور أثناء قيام الدولة الرستمية في المغرب ، وكان رد الظافر على هذا الحجة قوله : «وهل عرف سعد الحميد عشر معشار علماء الإباضية ؟ .... ،وهل عرف غير الدولة الرستمية التي ربما لا يعرف عنها إلا اسمها ؟ هل يعرف سعد الحميد مؤسسها عبدالرحمن ابن رستم ، وابنه عبدالوهاب ، وابنه أفلح بن عبدالوهاب وغيرهم ؟ وهل ذكر هؤلاء في كتب غير الإباضية ليعترف بهم سعد الحميد ؟".

 

ودعك - أخي القارئ - من هذا التهويل والتهويش ، فكما قلت سابقًا : العمر أشرف من أن يضيع في مثل هذه الخصومات ، ولولا ما تضمنه كلام الظافر من خلط السباب والسخرية ببعض المسائل العلمية التي لابد من بيان وجه الحق فيها ، لأعرضت عن مناقشته ، وسأجعل كلامي هنا عن الدولة الرستمية محصورًا في مسألتين :

 

1-  عرض مختصر عن الدولة الرستمية ونشأتها ، وأئمتها ، وهل ذكروا في غير كتب الإباضية أولا ؟

 

2-  ثمرة ذكري للدولة الرستمية .

 

أما نشأة الدولة الرستمية : فأمامنا فيه رأيان :

 

أ - رأي الإباضية ، وهو الذي يقصده الظافر بدعواه أن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة استطاع أن يقيم ثلاث دول: التي في عمان، والتي في اليمن، والثالثـة التي في المغرب.

 

وخلاصة ما ذكروه أن رجلاً يدعى سلمة بن سعد الحضرمي اتفق مع أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ليرسل له في البصرة مجموعة من إباضية المغرب ليعدَّهم دعاة هناك ، فوصل خمسة من هؤلاء الدعاة ، وهم : عاصم السدراتي ، وإسماعيل بن درار الغدامسي ، وأبو داود القبلي النفزاوي ، وعبدالرحمن بن رستم الفارسي الأصل ، وأبو الخطاب عبدالأعلى بن السمح المعافري الحميري ، من أهل اليمن .

 

وكان وصولهم إلى أبي عبيدة سنة (135 هـ)، ومكثوا عنده خمس سنوات ، وتخرَّجوا من مدرسته سنة (140 هـ)، وتوجهوا للمغرب ، وكان أبو عبيدة أشار عليهم بتولية أبي الخطاب المعافري لصفات رآها فيه ، فعقدت له الإمامة في نفس العام سنة (140 هـ)، وبايعه الإباضيون ، فبدأ حروبه ، حيث استولى على طرابلس ، ثم توجه إلى القيروان فاستولى عليها ، وكانت هناك عدة وقائع بينه وبين العباسيين ، حتى إنه قتل من جنود بني العباس في إحدى الوقائع ستة عشر ألفًا .

 

وكانت نهايته في سنة (144هـ) حين التقى مع قائد الحملة العباسية محمد بن الأشعث في " تورغا"- على مسيرة ثمانية أيام من طرابلس -، فأبادهم جميعًا هذا القائد العباسي ، وكانت عدتهم أربعة عشر ألفًا ، واحتزّ محمد بن الأشعث رأس أبي الخطاب ، وبعث به إلى الخليفة العباسي المنصور في بغداد .

 

وكان أبو الخطاب قد ولّى عامله عبدالرحمن بن رستم على مدينة القيروان ، فلما حصل له ما حصل؛ فـرّ عبدالرحمن بن رستم من القيروان ، وأخلاها لابن الأشعث ، وتوجّه إلى المغرب حيث اعتصم بجبل منيع هناك ، وحاصره فيه ابن الأشعث مدة فلم يتمكن منه ، فارتحل عنه . ثم إن ابن رستم استطاع أن يجمع فلول الإباضية هناك ، ويقيم دولة في مدينة " تيهرت "- شمال الجزائر الآن -، عرفت هذه الدولة بـ" الدولة الرستمية " نسبة إلى عبدالرحمن بن رستم هذا ، وهو ابن رستم بن بهرام بن سام بن كسرى أنو شروان ملك الفرس ، وذلك في سنة (160 هـ).

 

وكانت وفاة عبدالرحمن بن رستم هذا سنة (171 هـ).

 

ثم تولى بعده ابنه عبدالوهاب ، وتوفي سنة (190 هـ).

 

ثم تولى بعده ابنه أفلح بن عبدالوهاب ، وتوفي سنة (240 هـ).

 

ثم تولى بعده ابنه أبو بكر بن أفلح ، فلم تدم خلافته إلا نحو عام ، قيل : إنه مات بعدها ، وقيل سلّم الأمر لأخيه أبي اليقظان محمد بن أفلح سنة (241 هـ)، واستمرت خلافته إلى وفاته سنة (281هـ).

 

ثم تولى بعده ابنه أبو حاتم يوسف بن أبي اليقظان الذي مات مقتولاً من بعض قرابته سنة (294 هـ).

 

ثم تولى بعده أخوه اليقظان بن أبي اليقظان الذي نصّبه قرابته الذين قتلوا أخاه ، وهو آخر من تولى من بني رستم ، حيث انتهت دولتهم على يد أبي عبدالله الشيعي داعية العبيديين ، وذلك في سنة (296 هـ).

 

وهذا المذكور في جملته – عدى ذكر أبي عبيدة ودوره - موجود في كتب غير الإباضية التي جهلها الظافر ، فرماني بالعجز عن تحصيل ذكر الرستميين فيها . فمن تلك الكتب :

 

1-  "الكامل في التاريخ " لمحمد بن محمد الشيـباني المعروف بابن الأثير ،الطبعة الرابعة سنة (1403 هـ)- نشر دار الكتاب العربي ببيروت - ذكرهم في (4/281)، و(5/32و157)، و(6/133).

 

2-  "معجم البلدان " لياقوت الحموي .

 

ذكر (2/8-9) مدينة تيـهرت ، وذكر ملك بني رستم لها ، وبعض ملوكهم وأخبارهم .

 

3-  "البيان الْمُغرب في أخبار الأندلس والمغرب " لابن عذاري المراكشي ، حيث عنون (1/196) بقوله: « ذكر مدينة تيهرت »، ثم ذكر تأسيس عبدالرحمن بن رستم لها، ثم عنون مرة أخرى (1/197) بقوله : « ذكر من ملك مدينة تيهرت من حين ابتدائها من بني رستم وغيرهم »، ثم ذكر تسلسل ملوك بني رستم في توليها ، إلا أنه سمى عبدالوهاب: عبدالوارث .

 

4-  "العبر وديوان المبتدأ والخبر " لعبدالرحمن بن خلدون المغربي ، وهو المشهور بـ"تاريخ ابن خلدون " طبع دار الكتاب اللبناني سنة 1981 م .

 

ذكر ابن خلدون بعض ملوك بني رستم وأخبارهم في مواضع عدة من كتابه هذا ، منها  11/225 و226 و228 و232 و246 و247 و268 و287).

 

5-  "البـدء والتاريخ" للمطهر بن طاهر المقدسي، ذكر ولاية ابن رستم في (4/73).

 

6-  "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" لأحمد بن محمد المقري التلمساني ، نشر دار صادر ببيروت سنة 1968 م ، تحقيق د. إحسان عباس .

 

ذكرهم في (3/29).

 

7-  "الحلة السيراء " لأبي عبدالله محمد بن عبدالله بن أبي بكر القضاعي ، نشر دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثانية سنة 1985 م، بتحقيق د. حسين مؤنس .

 

ذكرهم في (1/192).

 

8-  "المغرب في حلى المغرب " لأبي سعيد المغربي . الطبعة الثالثة بالقاهرة سنة 1955 م ، نشر دار المعارف ، بتحقيق د. شوقي ضيف .

 

ذكرهم في (1/48 و 50).

 

9-  "الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى " لأبي العباس أحمد بن خالد الناصري ، طبع دار الكتاب - الدار البيضاء ، سنة 1954 م.

 

ذكر ملوكهم وأخبارهم في عدة مواضع ، منها (1/124 و125 و128 و130 و134).

 

10-  تاريخ الدولة العلية العثمانية " للأستاذ محمد فريد بك ، ذكر (ص 54) أن المهدي الفاطمي لما فتح مدينة تيـهرت انتهى ملك بني رستم بعد أن دام مائة وستين سنة .

 

فتبين بهذه النقول أن الدولة الرستمية وملوكها مذكورون في كنب أهل السنة التي لم يقف الظافر على ذكرهم فيها .

 

وللحديث بقيـة

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )