Follow @twitterapi
الردُّ الثاني للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

الموضوع : الردُّ الثاني للشيخ سعد الحميّد على ردود الظافر

القسم : مناظرة الشيخ سعد الحميد والإباضي الظافر |   الزوار  : 4979

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعـد :

فبعد الفراغ من مناقشة الظافر في كلامه عن شخصية الربيع بن حبيب ، يتواصل النقاش معه عن شخصية أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي بالولاء ، البصري ، الذي صدر الكلام عنه بترجمة له من كتب الإباضية التي سيأتي الحديث عنها إن شاء الله ، ثم ثنَّى بكتب غير الإباضية ، ومسلكه فيها شبيه بمسلكه في ترجمة الربيع بن حبيب ؛ فإنه ذهب يقلّب صفحات الكتب طمعًا في العثور على من يمكنه الزعم بأنه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الإباضي ، فوجد رجلين لا علاقة لأحدهما بالآخر ، وأحدهما متقدم عن الآخر زمنًا، فجمع بينهما ، وزعم أنهما رجل واحد ، وأنه أبو عبيدة الإباضي ، في دعوىً لم يسبقه إليها أحد فيما علمت ، إلا أن يكون إباضيًّا مثله ، بل خالف في ذلك أئمة الجرح والتعديل العارفين بأحوال الرجال ؛ كالإمام أحمد ، ويحيى بن معين ، والبخاري ، وأبي حاتم الرازي ، وابنه ، والدولابي ، وابن حبان ، وابن ماكولا ، والذهبي ، وابن حجر ، وإليك البيــان :

أولاً : هناك أثر يرويه معتمر بن سليمان ، عن أبي عبيدة ، عن ضمام ، عن جابر بن زيد : أنه كره أن يأكل متكئًا - كما في "العلل" لعبدالله بن أحمد (12-11/3).  وكما هي طريقة المحدثين في محاولة التعرف على الرجال الذين لهم رواية ، وأحوالهم التي يتوصلون من خلالها للحكم على رواياتهم؛ بدأت تتجه أسئلة الطلاب لشيوخهم عما خفي عليهم .

فوجه عبدالله ابن الإمام أحمد سؤاله لوالده وليحيى بن معين في محاولة للتعرف على هذا الراوي - أعني أبا عبيدة - الذي ذكر بكنيته ولم يذكر اسمه : من يكون ؟ وما حاله ؟ فأجابا باتفاق أن اسمه : عبدالله بن القاسم . وزاد الإمام أحمد : أنه يلقب: كورين ، وزاد ابن معين : أنه لا بأس به.  وفي بعض الروايات عن ابن معين : أن لقبه : رزين ، وليس : كوريز ، كما في الطبعة المصحفة التي اعتمد عليها الظافر .

وسأل عبدالله يحيى بن معين عمن حدث عن أبي عبيدة هذا غير المعتمر؟ فقال: " البصريون يحدثون به عنه "؛ أي : يحدثون بهذا الأثر عن أبي عبيدة .

وقد أسقط الظافر من العبارة قوله :" به "، فلعل ذلك وقع سهوًا ، أو من الطباعة .

وقد تجنب الظافر هنا ذكر كتاب البخاري -"التاريخ الكبير"- الذي اعتمد عليه في كلامه عن شخصية الربيع بن حبيب ، وذكر هنا كتاب ابن أبي حاتم -"الجرح والتعديل"- الذي تجنب ذكره في كلامه عن شخصية الربيع بن حبيب ، فلماذا يا ترى يذهب إلى "العلل" لعبدالله بن أحمد ، و"التاريخ" لابن معين ، و"الكنى" للدولابي، بل إلى "البيان والتبيين" للجاحظ، و"النجاة" للزيدي أحمد بن يحيى الناصر ، ويدع "التاريخ الكبير" للبخاري الذي لا تخفى شهرته على صغار طلبة العلم ؟!

الجواب أدعه عقب نقلي نص كلام البخاري في "تاريخه"(5/173-174)؛ حيث قال: "عبدالله بن القاسم أبو عبيدة ، عن صالح الدهان ، عن جابر بن زيد قوله(1)، روى عنه معتمر . وقال محمد بن عقبة : حدثنا عبدالله بن حفص الكناني ، سمع عبدالله بن القاسم ، سمعت ابنة أبي بكرة : أن أبا بكرة نهى عن الحجامة يوم الثلاثاء ، ويقول : لا تهيجوا الدم يوم توبيغه(2)، ويروي عن ضمام ، عن جابر بن زيد ، وعن عزرة(3) بن حيان ، عن جابر ابن زيد قوله ". اهـ.

فالبخاري إذًا يؤكد أن أبا عبيدة الذي روى عن صالح الدهان ، وضمام وعزرة- أو عمارة -بن حيان ، عن جابر بن زيد ، هو عبدالله بن القاسم ، ويدلل على ذلك بتسمية تلميذه عبدالله بن حفص الكنـاني له حـين ذكر أنه سمع عبدالله بن القاسـم ، ويرى أنه هـو الراوي عن ابنة أبي بكرة هذاالحديث عن أبيها . وتسمية الراوي لشيخه تنفي جميع الأغلوطات التي ذهب إليها الظافر في زعمه أن الأئمة جهلوا اسم أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، فسموه : عبدالله بن القاسم.  وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة قاله أئمة آخرون سواهم :

1-  فهذا ابن حبان يقول في "الثقات" (7/45):" عبدالله بن القاسم أبو عبيدة ، بصري يروي عن بنت أبي بكرة ، عن أبيها ، روى عنه معتمر بن سليمان".

2-  وهذا ابن ما كولا يقول في "الإكمال" (7/141):" أما كورين - بعد الكاف المضمومة واو ، ثم راء -: فقال عبدالله بن أحمد: سألت أبي عن أبي عبيدة الذي روى عنه معتمر ، يحدِّث عن جابر بن زيد(4)، فقال : اسمه عبدالله بن القاسم، يقال له: كورين".

3-  وهذا الحافظ الذهبي ذكر في "المقتنى" عددًا ممن يكنى : أبا عبيدة، وذكر منهم (1/383 رقم3993):" عبدالله بن القاسم ، بصري ، عن صالح الدهان".

4-  وهذا الحافظ ابن حجر في " نزهة الألباب في الألقاب " (2/129) يقول: "كورين هو أبو عبيدة البصري ، واسمه : عبدالله بن القاسم ، شيخ لمعتمر بن سليمان".  ويقول في "لسان الميزان" (7/79):" أبو عبيدة هو عبدالله بن القاسم ". وقال أيضًا في موضع آخر (3/326):" عبدالله بن القاسم أبو عبيدة ، روى عنه المعتمر بن سليمان ، قال ابن المديني :" مجهول "، نقلته من خط ابن عبدالهادي".  وهذا ما ذهب إليه أبو حاتم الرازي ، وابنه عبدالرحمن ، والدولابي في "الكنى"؛ كما نقله عنهم الظافر في مقاله، ثم قال - أي : الظافر -:" هذا ما قاله علماء الجرح والتعديل . وملخص ما قالوه : أن أبا عبيدة بصري ؛ إذ يروي عنه معتمر والبصريون - أنه يروي عن ضمام عن جابر بن زيد - وروى عن عمارة بن حيان، عن جابر بن زيد ، وروى عن صالح الدهان عن جابر بن زيد ، وقد مضى أن هؤلاء الثلاثة من شيوخ أبي عبيدة ، وهم كلهم إباضية . وأما تسمية أبي عبيدة بعبدالله

القاسم فهو خلط بينه وبين أبي عبيدة الصغير أحد أعلام الإباضية توفي حوالي سنة 170 هـ، وهو من طبقة تلامذة الإمام أبي عبيدة مسلم، وأبو عبيدة عبدالله بن القاسم ليس راوية للحديث خلافًا لأبي عبيدة مسلم الفقيه الراوي . وعليه فمن سمى أبا عبيدة مسلمًا بعبدالله القاسم قد عرفه ذاتًا وجهله اسمًا ، وعليه يحمل قول ابن معين :" أبو عبيدة لم يسمع من جابر بن زيد ، عن رجل عنه " فهذا أبو عبيدة الصغير ، أما أبو عبيدة الإمام فقد لازم جابرًا ملازمة طويلة . وأما تلقيبه بكورين فالظاهر أن ذلك لقب لأبيه أبي كريمة " اهـ.

وإني لأعجب من هذه الجرأة من الظافر التي جعلت منه رجلاً كأن الله نشر له الخليقة منذ خلق آدم عليه السلام إلى عصرنا هذا ، فاطلع عليهم اطلاعة استطاع معها أن يكتشف في هذا الزمن خطأ الإمام أحمد وابن معين قبل ما يقرب من مائتي سنة وألف سنة !! ويكتشف معه خطأ الأئمة الآخرين الذين ذهبوا هذا المذهب كأبي حاتم وابنه والبخاري والدولابي وابن حبان وابن ماكولا والذهبي وابن حجر!!

وليت هناك من سبقه إلى هذا - ولو كان مخطئًا - لكان الأمر أهون ، أما أن يعمد إلى رجل اتفق الأئمة كلهم على وصفه بوصف يفارق به الإباضي ، فيخطئهم كلهم ، ويرى أنه الإباضي ، فهذا غير مقبول مع وجود هذه المفارقات :

1-  فالذي تكلم عنه الأئمة اسمه عبدالله بن القاسم ، والإباضي اسمه مسلم بن أبي كريمة .

2-  والذي تكلم عنه الأئمة لقبه : كورين - أو رزين -، والإباضي لا يعرف بهذا اللقب ، ولو كان معروفًا لنقله الظافر ، أو القنوبي من كتب الإباضية .

3-  الإباضي يروي مباشرة عن جابر بن زيد ، بل يعتبره الإباضية وارث علومه ، ويرون أنه قاد الحركة الإباضية بعده ، وهذا مسند الربيع بن حبيب قلّما تجد فيه حديثًا من رواية غير أبي عبيدة عن جابر.  بينما الذي تكلم عنه الأئمة يرونه لم يسمع من جابر بن زيد ، وإنما يروي عنه بواسطة ضمام، أو عمارة بن حيان ، أو صالح الدهان ، بل صرح بذلك يحيى بن معين حين قال : "أبو عبيدة لم يسمع من جابر بن زيد ، عن رجل عنه".

ومن عانى صنعة الأسانيد ، ومعرفة الرجال يعلم أن الأئمة يفرقون بين الراويين بأقل من هذا بكثير .

وقد اعترف الظافر بأن هناك إباضيًّا يكنى : أبا عبيدة ، واسمه عبدالله بن القاسم ، ولم يسمع من جابر بن زيد ، فهو غير أبي عبيدة شيخ الربيع بن حبيب، ويعرف عندهم بأبي عبيدة الصغير ، ولكن يرى أنه ليس له رواية للحديث ، ولذلك عمد إلى سلبه كل هذا التعريف الذي حُظي به ؛ ليمنحه شيخ الربيع بن حبيب المتقدم عن هذا زمنًا ، والمفارق له اسمًا ولقبًا ، لا لشيء ، إلا ليدفع عنه وصف الجهالة الذي ذكرته عنه أنا وغيري .

وأنا لا أجزم بأن أبا عبيدة الصغير هذا هو عبدالله بن القاسم الملقب: كورين ، الذي تكلم عنه الأئمة، ولا أنفي ذلك ، فإذا كان الظافر يعرفه ، فإن تنزيل كلام الأئمة عليه يكاد يكون مقبولاً ؛ بحكم الاشتراك في الاسم، والكنية ، والطبقة ، ودفع ذلك بحجة أنه ليس راوية للحديث غير مقبول ، فعدم العلم ليس علمًا بالعدم ، وقد يكون الراوي مقلاًّ من الرواية ، فيظن أنه غير راوية لقلّة روايته .

وصنيع الظافر هنا يذكرنا بصنيع سعيد بن مبروك القنوبي - الذي سبق ذكره -؛ حين نقل النص من كتاب "العلل" لعبدالله بن أحمد وأسقط منه جميع الدلائل التي تدل على أن أبا عبيدة الذي تكلم عنه الإمامان - أحمد وابن معين - رجل آخر غير مسلم بن أبي كريمة ، وهكذا تكون الأمانة !!

ثانيــًا : ذكر الأئمة : البخاري ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان - كما نقل الظافر - ذكروا رجلاً يقال له :" مسلم بن أبي كريمة " يروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فزعم الظافر أنه أبو عبيدة الإباضي ، وأنه الذي أخطأ الأئمة فسموه عبدالله بن القاسم ، فجمع بين هذا الذي يروي عن علي رضي الله عنه ، وبين ذاك الذي روى عنه معتمر بن سليمان ، والذي لم يسمع من جابر بن زيد التابعي، فضلاً عن أن يكون أدرك عليًّا رضي الله عنه . وكما قلت سابقًا : في دعوى لم يسبقه إليها أحد فيما علمت ، إلا أن يكون إباضيًا مثله!  والظاهر أن الظافر لا يتقبل أن يسمى أحد " مسلم بن أبي كريمة " سوى إمامهم الإباضي ! وإلا فالفرق واضح ، فأين يكون الذي يروي عن علي رضي الله عنه – وهو متـوفى ســنة 40 هـ -، من الـذي يروي عن جابر بن زيـد - وهـو متـوفى ســـنة 93 هـ، أو 103 هـ -؟ وأين يكون هذان من عبدالله بن القاسم الذي لم يسمع من جابر بن زيد؟

والأعجب من هذا أن مسلم بن أبي كريمة الذي يروي عن علي رضي الله عنه شيعي ، وصاحبهم إباضي !!

يا أيها الْمُنْكِحُ الثُّـريّا سُـهيلاً عَمركَ الله كيف يلتقيان؟

هـي شــامية إذا مـا اســتقلّت وسـهيل إذا اسـتقلّ يماني!

ولذلك لما ذكر ابن حبان هذا الرجل وآخرين مثله ، قال في "الثقات": (401/5) إلا أني لست أعتمد عليهم ، ولا يعجبنـي الاحتجاج بهم ؛ لما كانوا فيه من المذهب الردي " - يعني التشيع كما نقله الظافر عن ابن حجر -. وقد قال أبو حاتم عن هذا الرجل : "مجهول" كما في نقل الظافر.  وذكره ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (3/118 رقم3311) فقال :" مسلم بن أبي كريمة ، قال الرازي : مجهول".  وقال الذهبي في "الميزان" (6/419):" مسلم بن أبي كريمة ، عن علي ، مجهول".  وكذا قال في "المغني" (2/656).  وقال ابن حجر في "اللسان" (7/91):" وذكره ابن حبان في "الثقات" قال : إلا أني لا أعتمد عليه - يعني لأجل التشيع – "

وأخيرًا قل لي أيها الظافر : هل الحق معك أو مع القنوبي حيث يقول في كتابه "الإمام الربيع بن حبيب مكانته ومسنده " (ص 32):" على أن مسلم بن أبي كريمة الذي حكم بجهالته أبو حاتم غير الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة قطعًا ؛ لأن مسلمًا الذي ذكره أبو حاتم يروي عن الإمام علي، وأبو عبيدة الإمام راوي المسند عن الإمام جابر لم يرو عن علي شيئًا ، بل لم يكن أبو عبيدة مولودًا في حياة علي ، والله أعلم " ا.هـ؟

هذا إن كنتَ غير القنوبي ، وإن كانت الأخرى .... !!

وللحديث بقيـة .

تنبيـه : عقب فراغي من هذه المقالة ، أُخبرت بأن الظافر كتب مقالة يبدي فيها استعداده للحوار العلمي الهادئ ، وأنا في انتظار كتاباته ، وإن كنت أفضل تريُّـثه حتى أفرغ من مقالاتي ، وأسأل الله لي وله ولجميع المسلمين الهداية والتوفيق .

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )