Follow @twitterapi
بيان مغالطات الخليلي في استدلاله على التخليد بآية {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته}

الموضوع : بيان مغالطات الخليلي في استدلاله على التخليد بآية {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته}

القسم : الرد على الخليلي مفتي الإباضية |   الزوار  : 8214

 

قال الشيخ على بن ناصر الفقيهي حفظه الله في الرد القويم البالغ على كتاب الخليلي الحق الدامغ :


الفصل الثالث من ص202 ـ 225 عنوانه:
«أدلة القائلين بخلود جميع مرتكبي الكبائر في النار»

قال: (وهي قسمان، بعضها من الكتاب وبعضها من السنة:
أما من الكتاب فكثيرة نذكر منها ما يلي:
1 ـ قوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون. بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة / 80ـ81].
ثم قال: ودلالته عليه من وجوه:
أولها: أن هذه العقيدة يهودية المنبت، كما هو ظاهر من هذا النص.
ثانيها: ما فيه من الاستنكار لهذا القول الوارد مورد الاستفهام المقصود به التحدي...الخ.
ثالثها: ما فيه من البيان الصريح بأن مصير كل من ارتكب سيئة وأحاطت به خطيئته لعدم تخلصه منها بالتوبة النصوح أنه خالد في النار مع الخالدين، وهو رد على هذه الدعوى يستأصل أطماع الطامعين في النجاة مع الإصرار على الإثم.
ثم قال: واعترض على الاستدلال بأمرين:
أولهما: أن السيئة هنا هي الشرك، كما روي عن طائفة من المفسرين، وإذا كان هذا الوعيد للمشركين فهو لا يعم الموحدين.
ثانيهما: أن الخلود لم يرد به التأبيد وإنما أريد به المكث الطويل.
قال: ويرد الاعتراض الأول، أن حمل السيئة على الشرك وحده خروج بالآية عما يقتضيه لفظها، فإن لفظ (سيئة) نكرة مطلقة في سياق الشرط، والنكرات إذا وردت في الشرط فهي محمولة على العموم.

قال: وإن أردت مزيد البيان في ذلك فانظر في قول القائل لعبيده: من جاءني بعمله فهو حر، فإنه يعتق بقوله هذا من جاءه بأي شيء يصدق عليه أنه عمله.
ولو حلف أحد أنه لم يرتكب سيئة وقد زنى أو سرق أو شرب الخمر، أو أكل الربا أما يعد حانثاً؟
ثم قال: ولا متعلق لهم في قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته} وإن زعموا أن مرتكب الكبيرة إن كان موحداً لم تحط به خطيئته، لأن له حسنات لا يحرم ثوابها، ذلك لأنا نقول إن عدم التخلص من المعصية بالتوبة النصوح يجعلها محيطة بصاحبها..
إلى أن قال: وهذا معنى ما روي عن السلف، ودونكم بعض النصوص المروية في ذلك).
ثم سرد نصوصاً من تفسير ابن جرير عن الضحاك {وأحاطت به خطيئته} قال: مات بذنبه.
وعن الربيع بن خثيم: {وأحاطت به خطيئته} قال: مات عليها.
وعن ابن عباس: {وأحاطت به خطيئته} قال: يحيط كفره بما لَه من حسنة، والكفر يعم الكبائر كلها لأنها من كفران النعم....الخ.



«الجــــــــــــــــــــواب»:


نقلنا هذا النص الطويل عن المؤلف الخليلي الذي أورد فيه ما يستدل به على خلود مرتكبي الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار، وإن ماتوا على التوحيد الذي وعد الله في كتابه -وهو لا يخلف الميعاد ـ أن الذي لا يشرك به شيئاً أنه تحت مشيئته، إن شاء غفر له من أول الحال، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم مآله إلى الجنة كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116].

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه وفيه قال الله: «ولو لقيني عبدي بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بقرابها مغفرة».

إن الخليلي قد ذكر أن أدلته على تخليد أصحاب الكبائر تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول : آيات من كتاب الله تعالى، وقد بدأها بهاتين الآيتين من كتاب الله: آية (80- 81) من سورة البقرة التي ادعى فيها اليهود أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، وقد أكذبهم الله في دعواهم تلك، وبين أن ذلك الأمر لا يتحقق إلا لمن أعطاه الله عهداً بذلك، لأن الله لا يخلف وعده، ولم يُعْطِهم الله عهداً بذلك، فتبين أنهم قالوا على الله مالا يعلمون.
ثم بين أن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فهو خالد في النار، وهو صاحبها الملازم لها.


وقد ادعى الخليلي أن من يقول بإخراج الموحدين من النار إن شاء الله عَذَّبهم بذنوبهم، ثم بعد تمحيصهم وتطهيرهم يدخلون الجنة .
قال: إن هذه العقيدة ورثها أهل السنة من اليهود، وليست من كتاب الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: وهل اليهود كفار أو مؤمنون أصحاب كبائر؟.


وهذه الدعوى تؤكد للقارئ الكريم ما قاله الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنه كما جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله في كتاب استتابة المرتدين /باب قتل الخوارج، أن الخوارج انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فطبقوها على المسلمين، وأنه كان يراهم شرار الخلق.

والخليلي الإباضي في استدلاله بهاتين الآيتين الكريمتين النازلتين في دعوى اليهود أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة، ينزلها على أصحاب المعاصي الموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بشبهة علقت في ذهنه، وهي أنه ورد لفظ (سيئة) في الآية الكريمة ففسرها بالمعصية، دون الشرك،

ثم لبس كما هي عادته فنقل عن ابن جرير ما أورده عن بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته} على أن هذا هو تفسير السلف لهذه الآية، ومعلوم أن الخليلي لم يجعل ابن جرير رحمه الله سلفاً له يوماً من الأيام.


ولكن ما دام وهو ادعى أنه سلفه في تفسير هذه الآية فإليك أيها القارئ الكريم الباحث عن الحق تفسير ابن جرير لهذه الآية عموماً، ولقوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} خصوصاً، ليظهر لك خطأ الخليلي في هذه الدعوى، وإن كان السياق طويلاً فأرجو من القارئ أن لا يمل حتى يصل إلى الحقيقة.

يقول ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية ج1/380، وهو يعبر بالتأويل عن التفسير للآية قال:
(القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} [الآية:80].

قال: يعني بقوله: {وقالوا} اليهود، يقول: وقالت اليهود {لن تمسنا النار} يعني لن تلاقي أجسامنا النار، ولن ندخلها {إلا أياماً معدودة}.
وإنما قيل معدودة وإن لم يكن مبيناً في التنزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام التي يوقتونها لمكثهم في النار، فلذلك ترك تسمية عدد الأيام وسماها معدودة لما وصفنا.)

ثم ذكر اختلاف أهل التفسير في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود القائلون بما أخبر الله عنهم من ذلك.
وبعد أن ذكر الأقوال في ذلك عن المفسرين في تحديد عدد الأيام التي عينها اليهود ومنها قول مجاهد: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} من الدهر، وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوماً يهود تقوله.
ثم قال: القول في تأويل قوله تعالى: {قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون}.
قال أبو جعفر: لما قالت اليهود ما قالت من قولها: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} على ما قد بينا من تأويل ذلك، قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمعشر اليهود: {أتخذتم عند الله عهداً} أخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقاً، فالله لا ينقض ميثاقه، ولا يبدل وعده وعقده، أم تقولون على الله الباطل جهلاً وجرأة عليه.

ثم أورد الآثار عن الصحابة والتابعين التي يرد بها على دعواهم، ومنها رواية ابن عباس قال: لما قالت اليهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لمحمد: {قل أتخذتم عند الله عهدا} يقول: أدخرتم عند الله عهداً، يقول: أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا، ولم تكفروا به، فإن كنتم قلتموها فارجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: كنتم قلتم: لا إله إلا الله، ولم تشركوا به شيئاً، ثم متم على ذلك لكان لكم ذخر عندي، ولم أخلف وعدي لكم أني أجازيكم بها
.


ثم يواصل في شرح الآيتين فيقول قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [البقرة 81].

قال: وقوله: {بلى من كسب سيئة} تكذيب من الله القائلين من اليهود {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} وإخبار منه لهم أنه يعذب من
أشرك وكفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه
فخلد في النار، فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله وأهل الطاعة له، والقائمون بحدوده.

وهكذا كما يرى القارئ أن ابن جرير يفسر السيئة في الآية بأنها: الشرك والكفر بالله وبرسله. ويفسر الإحاطة بالذنوب التي عملها الكفار مع كفرهم، وأن من سلك مسلكهم فذلك جزاؤه.


ثم أورد الآثار الدالة على ذلك:
فأورد بإسناده قال: كما حدثنا محمد بن حميد ثم ساقه بإسناده إلى ابن عباس: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} أي من عمل مثل أعمالكم
وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط كفره بما لَه من حسنة {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} .

قال: وأما السيئة التي ذكر الله في هذا المكان فإنها الشرك بالله.
كما حدثنا محمد بن بشار ثم ساقه بإسناده عن أبي وائل:
{بلى من كسب سيئة} قال: الشرك بالله.
حدثني محمد بن عمرو ثم ساقه بإسناده عن مجاهد: {بلى من كسب سيئة} شركاً.
ثم أورد ذلك بأسانيده عن قتادة: {بلى من كسب سيئة} قال: أما السيئة فالشرك.

وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: {بلى من كسب سيئة} قال: الشرك.
وعن الربيع قوله: {بلى من كسب سيئة} يعني: الشرك.

ثم بين ابن جرير رحمه الله أن (السيئة) في هذه الآية لا يقصد منها مطلق السيئات التي هي دون الشرك بالله، ولذلك نقل أقوال العلماء التي سبق ذكرها أنهم جميعا فسروا (السيئة التي تحيط بصاحبها) بالشرك.

ورد على الخوارج الذين يستدلون بهذه الآية على تخليد أصحاب الكبائر من الموحدين فقال:

(وإنما قلنا: إن السيئة التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار المخلدين فيها في هذا الموضع، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاماً لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار، والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}، فكان معلوماً بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.

ثم بين ما دلت عليه هذه الآية من الرد على أهل الظنون من الذين لم يوفقوا إلى جمع أطراف النصوص من الكتاب والسنة، التي أوضحت أن الخلود في النار إنما هو لأهل الكفر بالله وبرسوله، وليس ذلك لأهل الإيمان المرتكبين للكبائر، لأنها غير داخلة في قوله: {بلى من كسب سيئة} في هذا الموضع لأن هذا خاص من السيئات وليس عاما في جميعها فقال:

(فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالحات دون الذين عملوا السيئات، فإن في إخبار الله أنه مكفر باجتنابنا كبائر ما ننهي عنه من سيئاتنا، ومدخلنا المدخل الكريم، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ـ أي في تفسير -قوله: {بلى من كسب سيئة} بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها.

فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا كبائر ما ننهي عنه، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله: {بلى من كسب سيئة}؟ قيل: لِمَا صح من أن الصغائر غير داخلة فيه، وأن المعني بالآية خاص دون عام، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد، إلا من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه، وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية.

فأما أهل الكبائر فإن الأخبار القاطعة عُذْرَ من بلغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها،
فمن أنكر ذلك ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة، فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد، إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان مَنْ جعل الله إليه بيان القرآن، وكانت الآية يأتي عاماً في صنفٍ ظاهرُها، وهي خاص في ذلك الصنفِ باطنُها.
ثم قال: ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء ـ سؤالنا منكرَ رجمِ الزاني المحصن، وزوالِ فرضِ الصلاةِ عن الحائض في حال الحيض، فإن السؤال عليهم نظير السؤال على هؤلاء سواء (1 ).


ثم قال: والقول في تأويل قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته}
يعني بقوله جل ثناؤه: {وأحاطت به خطيئته} اجتمعت عليه فمات عليها قبل الإنابة والتوبة منها، وأصل الإحاطة بالشيء: الإحداق به، بمنزلة الحائط الذي تحاط به الدار فتحدق به، ومنه قوله عز وجل: {ناراً أحاط بهم سرادقها}.
فتأويل الآية إذاً: من أشرك بالله واقترف ذنوباً جمة، فمات عليها قبل الإنابة والتوبة فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبداً.
ثم قال: وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون -أي المفسرون.

فأورد بإسناده قال: حدثنا أبو كريب وساق الإسناد عن الضحاك: {وأحاطت به خطيئته} مات بذنبه.
حدثنا أبو كريب وساقه بإسناده عن الربيع بن خثيم: {وأحاطت به خطيئته} قال: مات عليها.

ثم ذكر الروايات في ذلك عن مجاهد، وقتادة، والحسن، وأبي رزين، والأعمش، والسدي. وما ذكره عن هؤلاء موافق لما قاله ابن جرير،
فقد فسروا الخطيئة بالشرك مع اقتراف الذنوب الجمة التي أحاطت به، ومات على كفره، فهم يقولون: مات بذنبه، مات قبل أن يتوب، (الخطيئة الكبيرة الموجبة) وهكذا.

ولكن الخليلي بارع في التلبيس والتدليس.وإليك كشف ذلك:
إن الخليلي اطلع على تفسير هاتين الآيتين عند ابن جرير وعرف قوله فيها، وهو ما نقلناه في الصفحات السابقة.
فماذا صنع الخليلي؟
إنه بعد أن فسر الآية على مذهبه، وأن المقصود من
السيئة جميع المعاصي، فمن ارتكب كبيرة من أهل التوحيد ولم يتب فهو خالد مخلد في النار. ثم ادعى أن رأيه هذا هو ما روي عن السلف ثم استشهد على رأيه فقال: ودونكم بعض النصوص المروية في ذلك:
قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال ثنا ابن يمان عن سفيان عن الأعمش عن أبي روق عن الضحاك {وأحاطت به خطيئته} قال: مات بذنبه.
ثم سرد تلك الروايات عمن ذكرت أسماءهم، مجاهد، وقتادة، والحسن، وأبو رزين، والأعمش، والسدي، الذين استشهد ابن جرير بأن أقوالهم في تفسير الآية كما قال به، وأن الخطيئة التي أحاطت بصاحبها هي الشرك بالله مع اقتراف الذنوب الجمة التي أحاطت بمقترفها، وأن أصل الإحاطة بالشيء الإحداق به بمنزلة (الحائط) الذي تحاط به الدار فتحدق به، وان معنى الآية (من أشرك بالله واقترف ذنوباً جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبداً).

فهذا هو المعنى الذي قال به هؤلاء.
فحوله الخليلي إلى الذنوب دون الشرك بالله، ومعلوم بالنصوص
أن الشرك يسمى كبيرة
كما في صحيح البخاري، إن من الكبائر الموجبة الشرك بالله وأنه أكبر الكبائر.

ولكن الله عز وجل قد يكشف ستر المغالط الذي يريد تحويل الحق إلى الباطل فيظهر ذلك على فلتات قلمه، كما يظهره على فلتات لسانه.
فقد أورد الخليلي نصاً مما أورده ابن جرير في تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنه في ص204 من كتابه هذا ضمن النصوص التي أوردها ـ وترتيبه الثالث منها، ولما لم يأت على هواه فقد أضاف إليه سطراً ولم يصرح بأنه قوله، لأن العادة المتبعة عند المؤلفين إذا أرادوا إضافة شيء إلى النص المنقول عن غيرهم يقولون: (قلت)، أو عبارة نحوها، ليميز قوله عن القول المنقول، وإليك النص والزيادة:

قال الخليلي نقلاً عن ابن جرير ج1/386:
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة، قال أخبرني ابن إسحاق قال حدثني محمد ابن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس {وأحاطت به خطيئته} قال: يحيط كفره بما له من حسنة. هذا قول ابن عباس. إلى هنا النص في ابن جرير.
فما هي الزيادة التي أضافها الخليلي لنص ابن عباس ؟
قال: (والكفر يعم الكبائر كلها، لأنها من كفران النعم) وجعل هذا التحريف بالزيادة في سياق النص،
ولم يذكر ما يميزه ويوضح أنه قوله، ولم يظهر لي ذلك إلا بعد رجوعي لابن جرير فوجدت النص خال من هذه الزيادة،
ويظهر والله أعلم أن الخليلي لم يتنبه لهذا النص عن ابن عباس رضي الله عنهما وأنه فسر فيه الخطيئة التي أحاطت بصاحبها أنها الكفر إلا بعد إثباته، فاضطر إلى تلك الزيادة، بدليل أنه ترك نصاً أورده ابن جرير من طريق القاسم، فقد أورد ابن جرير من طريق القاسم نصين اختار الخليلي أحدهما ضمن النصوص التي سبق ذكرها ومنها قول الأعمش: مات بذنبه.
وترك النص الآخر وهو قوله: حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حسان، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: {وأحاطت به خطيئته} قال: الشرك، ثم تلا: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل:90].

فنسأل الخليلي لماذا ترك هذا النص ونقل الذي قبله مباشرة دون فاصل؟!
وأظن أن إجابته لا تَعْدُ أن يقول: إن هذا النص لا ينطبق على ما أردت نسبته لابن جرير من أنه فسر الخطيئة بالكبيرة، لأنه هنا يستشهد بقول عطاء على قوله بأن الخطيئة هي: الشرك، بخلاف الأقوال الأخرى، ففيها تفسير الخطيئة بقولهم: مات بذنبه، أو قبل أن يتوب......الخ. ففيها ما يظن القارئ أن الذنب هو المعصية فقط، دون ارتكابه الشرك المخرج من الملة،
ولهذا ترك كل ما قاله ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية الكريمة، لأنه لا يستطيع الرد عليه، وقد فصل ابن جرير الرد على المستدلين بهذه الآية على خلود أصحاب الكبائر من الموحدين في النار، ودحض كل الشبه التي ينتحلونها في استدلالهم بالآية
وبكل ما جاء في القرآن ظاهره العموم وهو خاص،

وبين أن الله عز وجل جعل بيانه لمن أحال إليه البيان وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بين ذلك بسنته وهي وحي كما قال تعالى: {.. وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} فالذكر هنا هو السنة؛ إذ كان تأويل القرآن - أي تفسيره- غير مدرك إلا ببيان مَنْ جعل الله إليه بيان القرآن، وكانت الآية يأتي عاماً في صنفٍ ظاهرُها، وهي خاص في ذلك الصنفِ باطنُها.

ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزاني المحصن، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض، فإن السؤال عليهم نظير السؤال على هؤلاء سواء(2).

يقول ابن جرير: إن الآيات في كتاب الله قد يأتي ظاهرها عاماً في صنف والمقصود منه الخصوص في ذلك الصنف، وذلك غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه البيان، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله له: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}

فهو يقول: أن قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} قد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المقصود من (السيئة) الكفر والشرك بالله، لأن حكم الخلود في النار، هو للمشرك والمنافق النفاق الاعتقادي، للأخبار المستفيضة بذلك، وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

ثم قال: القول في تأويل - أي تفسير- قوله تعالى: {وأحاطت به خطيئته} يعني بقوله جل ثناؤه: {وأحاطت به خطيئته} اجتمعت عليه، فمات عليها قبل الإنابة والتوبة منها. وأصل الإحاطة بالشيء: الإحداق به بمنزلة الحائط الذي تحاط به فتحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه: {ناراً أحاط بهم سرادقها} [ الكهف 29 ].
فتأويل الآية إذاً - أي تفسيرها-: من أشرك بالله واقترف ذنوباً جمة، فمات عليها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبداً.


فهو هنا يصرح بأن الخطيئة التي تحيط بصاحبها هي الشرك بالله واقتراف الذنوب الجمة حتى تحيط بمقترفها.

ومعلوم أنه قد جاء في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه «إن أكبر الكبائر الشرك بالله»(3).


ثم إن ابن جرير أورد أقوال العلماء في تفسير الآية: {وأحاطت به خطيئته}
ثم قال: وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون - يعني المفسرون- ثم سرد أقوالهم كما تقدم،
ومن الأدلة على أن السنة مفسرة ومبينة لما جاء في القرآن ما رواه جابر وأبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم :«إن الحائض تدع الصلاة أيام حيضها».
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة قال: حدثتني معاذة: أن امرأة قالت لعائشة:« أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله»(4).

قال ابن حجر في شرح الحديث:
قوله: باب لا تقضِ الحائض الصلاة، نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه فقال: اجتمع الناس عليه.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه.
وهذا ما قصده ابن جرير بقوله: وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال المحيض.
يعني أن ظاهر القرآن وجوب الصلاة مطلقاً.
ولكن هذا الظاهر من القرآن بينت السنة سقوط فرض الصلاة عن الحائض حال حيضها، وإلا لو بقينا على ظاهر القرآن لأوجبنا عليها قضاء الصلاة كما وجب عليها قضاء الصوم.

ولهذا فإن بعض الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها للسائلة: أحرورية أنت؟.
وحروراء قرية أو بلدة تبعد عن الكوفة ميلين، لأن أول فرقة من الخوارج حين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه نزلوا بها، فصار من يعتقد مذهب الخوارج ينسب إليها.
قال ابن حجر: وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن، ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار(5).


وممن فسر (السيئة) في هذه الآية بالكفر والشرك:

ابن كثير: فقد أورد بإسناده إلى ابن عباس: {بلى من كسب سيئة}، أي من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره فما لَه من حسنة، وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك (6).

2 ـ ابن عطية: ونقل ابن عطية عن عدد من علماء السلف أن (السيئة) الشرك، كقوله {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل:90]، قال:
والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول في العصاة، وإن علم انقطاعه كما يقال: مُلك (خالد)، ويدعى للملك (بالخلد).
وقوله تعالى: {والذين آمنوا}الآية، يدل هذا التقسيم على أن قوله: {من كسب سيئة} الآية، في الكفار لا في العصاة،
ويدل على ذلك أيضاً قوله: {وأحاطت} لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته،
ويدل على ذلك أيضاً أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة فهم المراد بالخلود(7)والله أعلم.


3 ـ القرطبي: قال:
الثانية: قوله تعالى: {سيئة} :
السيئة الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء: {من كسب سيئة} قال: الشرك، وتلا: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} [النمل: 90]، وكذا قال الحسن وقتادة. قالا: والخطيئة الكبيرة.

الثالثة: لما قال تعــالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته}،
دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما،
ومثله قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} وقوله صلى الله عليه وسلم لسفيان بن عبدالله الثقفي وقد قال له: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم»(8). رواه مسلم .



4 ـ البغوي: في كتابه ـ « معالم التنزيل »: {من كسب سيئة} يعني الشرك.
{وأحاطت به خطيئته} قرأ أهل المدينة {خطيئاته} بالجمع، والإحاطة: الإحداق بالشيء من جميع نواحيه،

قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة: هي الشرك يموت عليه. وقيل: السيئة الكبيرة، والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب قاله عكرمة والربيع بن خثيم.

ثم قال: قال الواحدي رحمه الله في تفسيره «الوسيط»: المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة وهي الشرك، والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك(9 ).


5 ـ الشوكاني: قال الشوكاني: (والسيئة المراد بها الجنس، ومثله قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار بل لا بد أن تكون سيئة محيطة به، قيل هي الشرك، وقيل هي الكبيرة، وتفسيرها بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواتراً من خروج عصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)(10 ).


**الهوامش :
(1) ابن جرير 1 / 386 ـ مطبعة الحلبي سنة 1373هـ.
(2) ابن جرير 1 / 386 ـ الطبعة الثانية 1373.
(3 ) صحيح البخاري/ الأدب ح5976.
(4 ) البخاري/ح321.
(5) فتح الباري 1/ 421 ـ 422
(6) تفسير ابن كثير 1 / 170
(7 ) المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 370 ـ 371 طبع سنة 1398 هـ قطر.
( 8) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج2 / 12 طبعة دار الكتب المصرية.
( 9) معالم التنزيل ج1 / 89 ـ90 الطبعة الأولى سنة 1406 هـ ـ 1986م دار المعرفة.
(10 ) فتح القدير للشوكاني 1 /88.

 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )