Follow @twitterapi
كشف الأستار عن كلام الأغرار في الصحابة الأخيار

الموضوع : كشف الأستار عن كلام الأغرار في الصحابة الأخيار

القسم : علاقة الإباضية بالخوارج |   الزوار  : 6298

 

كتبه أبو المنذر الأمازيغي .

بسم الله الرحمن الرحيم, و أصلي و أسلم على محمد رسول الله و على آله و أصحابه و تابعيهم و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


فبعدما اكتشفت أن مسند الربيع مشكوك في صحته و هوية صاحبه و شيخه و عدم رضاي بسيرة مرتبه و طريقة تخريج أحاديثه و روايته لبعض الأحاديث عن رجال متهمين بالكذب و الزندقة , و الأغرب من هذا أن لمقارنتي بين بعض أحاديثه مع صحيحي البخاري و مسلم و كتب الأحاديث الأخرى المعروفة وجدت أن التي في مسند الربيع تشبه التي في الصحاح من حيث تركيبة الجمل لكن تغير منها أو زيد أو حذف منها بعض الأحرف لتصبح مقصودها غير التي في الصحاح .

كنت أريد أن أوضح أكثر و أكتب ما حضّرته قبل أيام لتدوينه في بحثي إذ أرسل إلي في بداية هذا الأسبوع أحد أصدقائي من هذا المنتدى عنوان إلكتروني للمناظرة التي جرت بين الشيخ سعد الحميد و الظافر فوجدت فيها أكثر مما أعتقد على بطلان هذا المسند لعدم وجود مخطوط له و ما فصّل و ما بيّن الشيخ الحميد ما يكفي الكلام عن هذا المسند لذا قررت نهائيا طي ملف هذا المسند إذ لا دليل لوجوده فعجبا لمن ما زال يحسبه المرجع الأساسي و خاصة إن علم عن هذه المعلومات البينة على بطلانه فلا يلوم إلا نفسه والله يعلم ما تخفي الصدور فتعقلوا يا أولي الأبصار.

ثم أتكلم الآن عن ما توصلت إليه من حقيقة تاريخ الاباضية و الخوارج لأن التاريخ الصحيح يبين ما إن كانوا على حق أم عكس ذلك , فبعد بحث طويل (وما زلت أبحث لكن أبين ما اكتشفت عنهم إلى حد الساعة) اكتشفت أمورا كثيرة و تضاربات بين كتب التاريخ الاباضية من جهة و كتب غير الاباضية من جهة أخرى و المتعمق في بحثه عن الحقيقة بعين الحياد يتبين له الأصح من الخطأ إذ لا بد أحد المصدرين يكون أقرب إلى الصواب من الآخر لأنه مستحيل أن يكونا الاثنين على صح لكونهما متناقضان في أغلب الأحيان .

نستطيع أن نقول أن السيرة النبوية هي بداية التاريخ الإسلامي و قد وصلت إلينا هذه السيرة العطرة عن عدة طرق منها الصحيحة و منها طرق إسنادها ضعيف و بعضها غريبة و أخرى موضوعة لكن علماء السنة الثقات المعروفون بعلمهم الطاهر و ثقتهم عند كل المسلمين حتى عند مخالفيهم و مبغضيهم درسوا هذه الطرق كلها و آثارها و رجال الطبقات الذين تواتروا هذه السيرة و ما بعدها من سير الخلفاء و تاريخ الدول الإسلامية تماما كما درسوا رجال الحديث و ميّزوا التاريخ الصحيح عن ما هو غير صحيح و لو أن بعضهم سقط في بعض الروايات الضعيفة وهنالك علماء آخرين معروفين يسرد الأخبار عن ذكر كلما وصل إليهم سواء كانت طرقه صحيحة أم ضعيفة لكن يبينون وجهة نظرهم في أغلب الأحيان عند ذكر كل الطرق التي وصلت إليه كابن جرير الطبري.

و قد ذكرت في بحثي السابق كلام أحد كتّاب الاباضية المعاصرين إذ قال بأن تاريخ الاباضية القديم مشوه و منسي لأسباب منها سياسية و منها طائفية و منها تقليدية إذ كتابة المؤرخين على الخوارج و منهم الاباضية أمر تقليدي و محسوم نظرا لأخذهم صورة سيئة على هؤلاء الخوارج وأحيانا لتعصبهم لبعض الطوائف , و ذكر أن كثيرا منهم يوالون حكامهم و مخافة منهم أو لنيل الرضا لا يذكرون الحقائق الدامغة لأحداث هؤلاء , و بعض المتأخرين منهم يأخذون عن الأقدمين دون تحري الحقائق و ربما أيضا مخافة عن نشوب فتنة أو من ولاة أمورهم أو لاستمرار آفة التعصب و بغضهم لهم , فذكر في كتابه بعض الأمثلة عن غطرسة الدولة الأموية و تأثيرهم على الإعلام و الرأي العام وعلى الحفاظ و العلماء و قهرهم لكل من يعاديهم أو يحاول قول الحق في كتبهم أو في أقوالهم سواء عن الخوارج أو غيرهم الذين يعادون الحكام و سلكت الدولة العباسية مسلك الأموية في هذا الباب , و لهذا اختفت الحقيقة عن الظاهر و بقي الأوفياء لأهل الدعوة و الاستقامة يتعلمون أصول دينهم النقي و يأخذون حقيقة الأخبار سّرا تحت سراديب إلى أن ظهر الحق و ازدهرت دعوتهم و علومهم و بيّنوا وجه الاباضية الحقيقي و حقيقة مواقفهم و اختلافهم عن الخوارج و من هم على الضلال , هذه الحقيقة التي أخفيت عن الرجال الثقات و العلماء المعروفون و المؤرخين وغيرهم الذين كانوا يتداولون الأحداث الفقيرة و الضئيلة عن هؤلاء على حد قوله.

ثم استمر حال المؤرخين في كتابتهم على الاباضية على المنوال القديم إلى اليوم و شوهت صورة الاباضية خطأ و استمر تداول الناس بغضهم و تعصبهم ضد الاباضية ثقة لأسلافهم , ثم رجّح فكرة الأكاديميين الذين تفطنوا لهذا التقليد و غيروا طريقة أخذهم للحقائق و ذكر بعض أقاويلهم التي توصي بالاعتماد على مراجع الاباضية عن سواهم لمن أراد كتابة تاريخهم لأنهم هم الذين اهتموا به و توارثوه عن أسلافهم , ثم حذروا عن التقليد.


إذا حكم هذا الكاتب الاباضي و أمثاله على كل التابعين الثقات الذين تناقلوا أخبار الخوارج و غيرهم طبقة عن طبقة و على العلماء الأوائل منهم و المتأخرين و الأئمة الثقات الذين كتبوا على الخوارج ببطلان تاريخهم و آثارهم لأنه كان حكمهم على الخوارج مسبق أو كانوا لا يقولون الحق مخافة من ولاة أمورهم أو لتعصبهم ثم يرجح فكرة الأكاديميين المعاصرين أن يأخذوا التاريخ الصحيح للاباضية و الخوارج من كتبهم أنفسهم لأنهم الأولى في كلمة الحق عن أسلافهم الذين ورّثوا علمهم بأمانة, لذا يفهم من هذا الكاتب انه يجب أن نضرب كتب تاريخ هؤلاء العلماء و الأئمة و الحفاظ الثقات في عرض الحائط لأنهم تكلموا على الاباضية بالذم و كانوا إما موالين لحكامهم أو يبتغون منهم الرضا أو يتعصبون لفئة معينة , لكن أقول لهذا الكاتب و بصراحة لقد كذب كذبة عظيمة و افترى عليهم و رماهم بالبهتان .

لأن هؤلاء التابعين و الرجال الثقات والعلماء و الأئمة أغلبهم امتحن في حياته بسبب قولهم الحق أو بسبب كتابتهم للحق فمنهم من سجن و منهم من عّذب و منهم من قتل صبرا و منهم من ذبح و قطعت رأسه في سبيل الحق , و الأمثلة كثيرة يطول ذكرها , هنا و منهم من امتحن امتحانا عظيما بسبب فتنة في أمر عقيدة باطلة اخترعوها من هم مثل الاباضية في عقيدتهم و ذهب بسببها جم غفير من الرجال الثقات بين قتيل و سجين و معذب و من بينهم يحي بن معين و أحمد بن حنبل و هذا كمثال فقط , و إن شئتم فهنالك أمثلة كثيرة على بطلان ما تكلم هذا الكاتب .

و هذه الأخبار المتنازع عنها تناقلها الصحابة ثم التابعين من بعدهم و من يلونهم من بعد إلى أن وصلت إلى الحفاظ و المؤرخين و العلماء الثقات المعروفون و دوّنوها في كتبهم بناءا على صحة السند و الآثار عن من يثقون بهم و بينوا وجهة نظرهم في الآثار الغريبة و المنكرة و المجهولة ثم بعد ذلك صححوها أهل العلم الموثقين بتمييز الآثار الصحيحة من السقيمة منها تماما كعلم الحديث بمعرفة الرجال الذين تواتروا هذه الأخبار , فجاهدوا جهادا كبيرا لكي يصل إلينا أصح الطرق لتاريخ ديننا و ننتبه إلى ما نبهونا عن الطرق الغريبة و المنكرة و المجهولة منها , فجازاهم الله أحسن الجزاء إذ لم نجد عناء كبيرا في تمييز الأصح من الخطأ و لو سقطوا في بعض الأخطاء التي بينها من بعد العلماء المعاصرين الذين عرفوا قيمة هذا العلم.


إذا هؤلاء الكتّاب أحداث الأسنان تعمقوا في تعلم أصول مذهبهم و تاريخ مذهبهم عن مشايخهم و لّقنوا فكرة نصرة مذهبهم بشتى الطرق و التعصب له وما تعّلموا من علوم الدين و التاريخ على طريقة أهل السنة الصحيحة إلا قليل , يأتون اليوم و يحتجون بكلام و أباطيل كتّاب أكاديميين و يضربون كل جهد هؤلاء العلماء الأجلاء عرض الحائط إلا لأنهم كشفوا فضائح أسلافهم , ويحثوننا على أن نؤمن بالتاريخ المبني على المجهول والذي لم يتقيد بأدنى سند أو أثر إلا ما يأخذونه من آثار و أسانيد العلماء و المؤرخين الذين استغنوا عنهم من قبل و هاهو ذا يأخذون منهم لكن ما يأخذ إلا ما يعجبهم و يوافق هواهم بغض النظر عن السند سواء كان صحيح أم ضعيف أم موضوع , و لو أن غالب ما يأخذون عنهم الآثار الموضوعة و المنكرة.

بهذه الطريقة يتسنى لهم أن يبنوا تاريخا مشبوها و مجهولا و يستعينون بآثار ذكرها بعض العلماء المشهورون و غالبا ما تكون الآثار ضعيفة أو موضوعة ورغم أن صاحب تلك الآثار قد بين وجهة نظره فيها , و قد طالعت عدة كتب التاريخ لدى الاباضية و تبين لي أنها مغايرة تماما في بعض الأخبار الرئيسية عند كتب غيرهم و يبدأ هذا التضارب بخاصة عند خلافة عثمان رضي الله عنه و حصاره و مقتله و ذكر أسباب ذلك ثم زمن خلافة علي رضي الله عنه و ما بعده من أخبار الدول الإسلامية و أخبار الخوارج.

والأمرالذي يندهش منه عقل كل لبيب وعاقل هي الطريقة التي يستعملها غالبية المؤرخين الاباضيين في كتابة تاريخهم و محاولتهم للتقارب مع ما جاء من أخبار ذكرها العلماء و الأئمة الثقات المشهورين و الموثقين حتى عند مخالفيهم , وبهذا الأسلوب يرضي قومه و مشايخه و يظهر لمذهبه وجها حسنا عند عامة الناس , لكن إيهاما ليس إلا , و هذه الطريقة تنقسم إلى نوعين :


أولا : تاريخ الاباضية في كتبهم لا يوافقها أحد من أهل العلم و لا غيرهم , تراهم يروون حكايات عن أمجاد أسلافهم كما تحكى الأساطير بدون أي طريقة علمية , يصفون بطولات رجالهم و أئمتهم الأوائل الذين عاشوا في مدن زاخرة بالعلماء و الرجال المشهورون من كل فرقة و شيعة و ترى صداهم يصل إلى الحكام و إلى الرأي العام آنذاك, فبين ثائر و بطل كتب أشهر الرسائل إلى أمير المؤمنين و إمام أسس أول مدرسة للدعوة و الاستقامة تحت سراديب و مهد إلى إقامة أشهر دول أحيت الإمامة حتى سجنه أشهر طغاة المسلمين, و بين إمام حكيم اشتهر بحكمه و فتاويه المدونة وجمعه لأول مسند هو أصح ما وجد في التاريخ إلى اليوم , و رحالة بحر من العلم طاف الأرجاء الإسلامية من الأندلس إلى خليج العرب و إلى أدغال إفريقيا و استطاع ترتيبه لأقدم مسند ...الخ.


تفردوا بهذه القصص في كتبهم و لا أثر لها عند كتب أهل العلم قديما و حديثا, فماذا يعني هذا؟ أبسبب التعصب و الموالاة حجبوا تاريخهم كما زعموا ؟ لقد كتبوا أهل العلم عن بطولات و كتب من هم أبغض و أضل و أشنع و أقل شأنا من هؤلاء في كل الأزمنة منذ بداية الفتنة, فأين السبب و من هو أولى أن نصدقه؟ طبعا هنالك قاعدة علمية لكتابة تاريخنا الإسلامي و هي معروفة و لقد ذكرتها آنفا أما ما يخالف هذه القاعدة كان له أولى أن يهتم بكتابة الأساطير و حكايات العجائب للأطفال.


أما النوع الثاني فهو الأسلوب العجيب الذي يستعمله أغلب المؤرخين الاباضيين في نقلهم الأخبار عن أهل العلم و التاريخ المشهورون, فتارة يأخذون النصوص التي تعجبهم وتتبع هواهم وإن كان سندها ضعيف أو مكذوب (ربما ذكر صاحبها وجهة نظره في ذاك السند الضعيف أو المكذوب) و يتركون ما لا يعجبهم الذي هو لب الموضوع عند صاحبه في غالب الأحيان, و تارة يبترون النصوص التي لا يفهم مغزاها الذي ذهب إليه صاحبها إلا بذكر كل النص, و يقطعون بين نصين و يركّبون فقرات ذكرها صاحبها في غير ذاك الموضع سواء قبلها أو بعدها و يتوهم القارئ أن صاحبها ذكرها بعد ذاك النص مثلا و سأورد أمثلة شاهدة على هذا العمل المذموم, و الأخطر من كل هذا أنهم يلتجئون تارة إلى الكذب عليهم و لو ببعض الفقرات الصغيرة التي من شأنها تغيير كل مغزى النص الذي ذهب إليه صاحبه, و لو أنهم يعلمون أن الله يرى و لا تخفى عنه خافية و من يخون أمانة فقد وقع في النفاق و العياذ بالله.

لكنهم قد خانوا أمانة النقل عن غيرهم وغيروا ما قصده الأصل في تلك المواضيع و قد أصروا في ذلك العمل جيلا بعد جيل. نأخذ مثلا كتاب "العقود الفضية في أصول الاباضية" لكاتبه سالم الحارثي (وقيل لي أنه توفي قبل أشهر عفا الله عنه) فقد أورد سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه و ذكر قصة حصاره و مقتله و الأسباب في ذلك و قد روى كل هذه الأخبار عن مؤرخَين معروفين ابن الأثير و ابن جرير الطبري و قد ألزم نفسه أن يكتب هذه القصة ما اتفق فيه بينهما و يترك ما اختلف فيه إذ يقول في صفحة (20) بعدما ذكر أول ما تكلم الناس في عثمان رضي الله عنه : " و هذه فقرة أنقلها من ابن الأثير و هي مطابقة لما في الطبري و غيره من كتب التاريخ المعتذرة لعثمان و المخطئة له و أكتب ما اتفقوا عليه و أترك ما اختلفوا فيه ".

و بدأ كتابة القصة من ابن الأثير بقوله " في هذه السنة يعني أربع و ثلاثين تكاتب نفر من أصحاب رسول الله صل الله عليه و سلم و غيرهم بعضهم إلى بعض أن أقدموا فان الجهاد عندنا (يعني في المدينة) و عظم الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد و ليس أحد من الصحابة ينهى و لا يذب إلا نفر منهم (وذكرهم) فاجتمع الناس فكلموا علي ابن أبي طالب فدخل على عثمان فقال له الناس ورائي و قد كلموني فيك …" وبسط كلام علي و جواب عثمان له ثم الخطبة التي ألقاها بعدئذ, وتوقف عند نهاية خطبة عثمان كما اتفق عليه ابن جرير و ابن الأثير ثم قال مباشرة بعض الخطبة : " قال فاشتد قوله على الناس و عظم وزاد تألبهم عليه" ويفهم هنا أن بسبب الخطبة اشتد عليه الناس , لكن لقد أسقط الكلمة القاسية التي قالها مروان بن الحكم بعد ما فرغ عثمان من الكلام و هي موجودة عند كلا المؤرخين, لكن المقالة التي كتبها الحارثي بعد الخطبة تفرد بها ابن الأثير دون ابن جرير و قد وعدنا الحارثي أن يكتب ما اتفقا عليه و قال المحققون عن المقالة التي تفرد بها ابن الأثير شاذة.


أما المقالة التي كتبها عند بداية النص و هي "في هذه السنة تكاتب نفر من رسول الله صل الله عليه و سلم وغيرهم بعضهم إلى بعض أن أقدموا فان الجهاد عندنا.." هي موجودة عند الاثنين لكن لماذا أسقط كلمة مهمة قالها ابن جرير و هي : "زعم الواقدي أن عبد الله ابن محمد حدثه عن أبيه قال" , و قال جميع المحققين من بعده أن هذه الرواية مكذوبة و الواقدي معروف أنه يروي كثيرا من الأكاذيب و قد أشار ابن جرير بقوله "زعم" أما ابن الأثير فهو معروف أنه جمّاع لا غير, إذا في هذه أيضا لم يفي الحارثي بوعده.

ثم بعد ذكره ما قاله ابن الأثير في تداول أمراء الأمصار عند عثمان فبعدها مباشرة قال "إلى أن قال ابن الأثير وذكر اجتماع أهل الأمصار مصر و البصرة و الكوفة و حصارهم لعثمان قال : و لما رأى عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له يا ابن عم...". فذكر محادثتهما كاملة هي في صفحة (24) ثم ذكر أمر علي للناس من المهاجرين و الأنصار أن يركبوا إلى المصريين ليكلموهم و رجعوا إلى مصر وتوقف هنا.


و في صفحة (25) بعد نقله ما ذكر ابن الأثير لكلام مروان لعثمان و خطبة عثمان للناس بنصيحة من مروان و ما قاله ابن العاص له يقول "و مضى ابن الأثير في حكايته إلى أن قال: فقال علي أي عباد الله يا للمسلمين إن قعدت في بيتي قال لي تركتني و قرابتي و حقي و إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن...". فذكر فقط المحادثات و الخطب و أقوال علي مما يوهم الناس أنه ضده لكن نصوص كبيرة استغنى عنها لكي لا يتعرض في مدح عثمان أو ذم قتلته.


قبل أن أكمل ما ذكره عند حصاره و مقتله أود أن أبين إخفائه عن ما ذكره ابن الأثير و ابن جرير حول أهم الأسباب التي دفعت إلى هؤلاء القتلة الفجرة في مجيئهم إلى مشارف المدينة و إظهارهم أنهم يريدون الحج لا غير و إقامة علي و الآخرون معسكرات لصدهم و ما كان جواب علي و طلحة و الزبير رضي الله عنهم لما ذكروا لهم الأمصار نيتهم في خلع عثمان و اختيار كل مصر أميرا لهم من بين الثلاثة ثم قال جميع المؤرخين الثقات و كذا ابن الأثير :( فأتى المصريين عليا و كان قد عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه و قد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلموا عليه و عرضوا عليه فصاح بهم و طردهم و قال (لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة و جيش ذا خشب و الأعوص ملعونون على لسان رسول الله صل الله عليه و سلم) فانصرفوا عنه) و كذا قال طلحة و الزبير, و كذا قالها لهم عثمان في خطبته لما دخلوا إلى المدينة بعد ذلك .


و قد أخفى أيضا السبب الرئيسي و الرجل الذي أّلبهم و فتنهم رغم أن ابن الأثير ذكرها في مطلع النصوص و كذا ابن جرير بسند صحيح و غيرهم من أهل الثقة و هي قصة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام و راح يطوف بين الأمصار لتضليل الناس إلى أن وجد بغيته في مصر و بدأ يفتنهم و يقول لهم : إن محمدا خاتم الأنبياء و خاتم الأوصياء لقد وصى من بعده عليا فأخذها عثمان بغيا ألا فانهضوا في هذا الأمر وابدءوا بالطعن على أمرائكم.


و قد ذكر الحارثي نقلا عن ابن الأثير قصة اقتناعهم بالرجوع لما كلموهم أهل المدينة و توقف بعد ذلك , لكن لم يذكر ما أهم بعد هذا حين كروا راجعين و سمعوا أهل المدينة التكبير من كل جانب و أحاطوا بعثمان وهم يومئذ ألفين فارس فقالوا لأهل المدينة من كف يديه فهو آمن , فلما جاءوهم أهل المدينة و فيهم علي فسألهم : ما ردكم بعد ذهابكم فقالوا أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا و أتى طلحة الكوفيين و قالوا مثل ذلك و أتى الزبير البصريين و قالوا مثل ذلك و كل منهم يقول نحن نمنع أصحابنا و ننصرهم كأنما كانوا على ميعاد فقال لهم علي كيف علمتم يا أهل الكوفة و البصرة بما لقي أهل مصر و قد سرتم مراحل حتى رجعتم علينا هذا و الله أمر أبرم بليل فقالوا ضعوه كيف شئتم و لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزل عنا.

و لم يذكر كيف دبت الفوضى في المسجد و حصبوا بعضهم بعضا و حصبوا عثمان حتى سقط مغشيا عليه و ذاك الرجل الذي تجرأ على عثمان و كسر في ركبته العصا و كان أهل المدينة قليلا ما يخرجوا من بيوتهم إلا للصلاة و هم بالسيوف و كانت المدينة خاوية فالكثير منهم في الحج و الجيوش مهتمة بالفتوح و الصد عن الأعداء و ذهبت أمهات المؤمنين إلى الحج هربا من الفتنة , و لم يذكر الرواية الصحيحة التي تروي خروج أكثر من سبعمائة من الصحابة و أبناء الصحابة للدفاع عن عثمان عند حصاره بأمر من آبائهم و فيهم الحسن و الحسين ابنا علي و عبد الله بن الزبير و كان أمير الدار و عبد الله بن عباس الذي قال لعثمان لما أمره بالحج بالناس : و الله للدفاع عنك خير لي من الحج بالناس و هذه الأحداث التي لم ينقلها مع أنها موجودة عند ابن الأثير و ابن جرير و غيرهم كثير و رواياتها صحيحة لكن اختار المشبوهة منها و اقتطف ما يريده و يبينه ضد عثمان و ما لا يتعرض لهؤلاء القتلة الفجرة الذين يدافع عنهم.


و قفز مباشرة إلى كيفية مقتله و قال "و نذكر الآن كيف قتل و ما كان بداء ذلك و ابتداء الجرأة عليه قبل قتله..".إلى أن وصل في كلام جبلة بن عمرو القبيح على عثمان من بين كلامه " لأطرحن هذه الجامعة على عنقك أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة " بعدها يعرّف لنا من هو جبلة حيث قال " قلت جبلة صحابي أحدي و هو الذي منع عثمان في البقيع و دفن في حش كوكب كذا قال ابن حجر في الإصابة و قال عمار بن ياسر أراد أن يغتال ديننا فقتلناه" قلت أنا كلمة "الخبيثة" تفرد بها ابن الأثير و كان يجب عليه أن لا يذكرها لأن ابن جرير اختلف معه في هذه الكلمة لكن لما أعجبته لبغضه عثمان كتبها, ثم مقالة عمار بن ياسر لم أجدها لا عند ابن الأثير و لا عند ابن جرير و هي كذب على عمار, صحيح كان عمار لا يتكلم مع عثمان لما أدبه مرة لكن لا يصل إليه البغض إلى الرضا بقتله و يبين أنه شارك في القتال فهذا بهتان عظيم .


فبعد هذا الموضوع يبدأ في تركيب النصوص حسبما يريد حيث أعاد ذكر الرواية الموضوعة التي ذكرها ابن الأثير دون ابن جرير وهي كتب أهل المدينة إلى الآفاق لندبهم على الجهاد و قتال عثمان ثم جاء بنص قاله ابن الأثير و ابن جرير قبل هذا الموضع بكثير فاختاره أن يكون هنا ليصل إلى فكرته مع زيادات من عنده ليظهر شأن هؤلاء الخوارج القتلة حيث قال بعدما ذكر كتب أهل المدينة "و يمضي ابن الأثير فيقول أقبل الناس من الآفاق كالمصريين و على رأسهم عبد الرحمن بن عديس و هو صحابي احدي بايع تحت الشجرة و عنده ما بين خمسمائة إلى ألف مقاتل و جاء أهل الكوفة و على رأسهم زيد بن صوحان العبدي و الاشتر النخعي و زيد صحابي جليل و هم في عداد المصريين و جاء أهل البصرة و على رأسهم حرقوص بن زهير و هو صحابي جليل واختلفوا في هؤلاء المحاصرين فالمقلل يقول ستمائة و المكثر يقول ثلاثة آلاف"


و يظن القارئ أن هذا الحشد جاء استجابة لكتب أهل المدينة لكن تجد هذه القصة ذكرت عند ابن الأثير و ابن جرير قبل كل ما ذكرنا من الأحداث التي أخفاها و قبل ما نقل هو عن ابن الأثير المحادثة التي جرت بين عثمان و علي رضي الله عنهما و هو قد قالها اثر فراغه من ذكر المحادثة لكن لم ينتبه .


أما النص الذي هو عند ابن الأثير " فلما خرج المصريين خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة و قيل في ألف و فيهم كنانة بن بشر الليثي و سودان بن حمران السكوني و قتيرة بن فلان السكوني و عليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي, و خرج أهل الكوفة و فيهم زيد بن صوحان العبدي و الأشتر النخعي و زياد بن النضر الحارثي و عبد الله بن الأصم العامري و هم في عداد أهل مصر و عليهم جميعا عمرو بن الأصم, و خرج أهل البصرة فيهم حكيم بن جبلة العبدي و ذريح بن عباد و بشر بن شريح القيسي و ابن المحترش و هم بعداد أهل مصر و أميرهم حرقوص بن الزهير السعدي فخرجوا حميعا في شوال و أظهروا أنهم يريدون الحج " ثم يروي نية كل فرقة في تثبيت محبيهم بين علي و طلحة و الزبير ثم خروج هؤلاء للتصدي لهم و طردهم ووصفهم بالملعونين على لسان الرسول صل الله عليه و سلم كما ذكرت في موضعه.


إذا قارنوا النص الأصلي لابن الأثير و ما كتبه الحارثي زاعما أنه من الأصل , و انظر كيف ركبه واختار له هذا الموضع ليوهم القراء أن الحشود هم من خيار الصحابة بين أحدي و شجري كما ذكر ابن الأثير و هذه الحشود أتت بسبب استنجاد أهل المدينة لهم , أليس بالتدليس و التلاعب في نصوص الآخرين إذ لم يبال في كذبه على ابن الأثير و من القراء ثم أوهم الناس بسبب تركيبه للنصوص أن أعيان الصحابة منهم علي و طلحة و الزبير استحلوا دمه و يؤكد هذا الافتراء بعدما فرغ من نقله عن ابن الأثير و يقول مقالة عجيبة فيها وقاحة ظاهرة و أحب أن أذكرها كاملة :


"و هنا وقفة مهمة قد علمت ما حكاه العلامتان المحققان ابن جرير الطبري و ابن الأثير في الكامل و غيرهما من العلماء المنحازين إلى عثمان و قد اتفق نقلهم مع الناقمين عليه على صحة الأحداث التي نقمها عليه إخوانه أصحاب رسول الله صل الله عليه و سلم منهم جبلة بن عمرو الساعدي الأنصاري الأحدي و رؤساء الخارجين من الأمصار كعبد الرحمن بن عديس الأحدي الشجري و زيد بن صوحان و حرقوص بن الزهير و ما قاله الصحابة و فيهم علي و طلحة و الزبير عن وجه استحلالهم قتله و حصره أربعين ليلة و قيل 3أشهر و قد منعوه الطعام و الشراب و في المدينة ما يزيد عن مائة ألف من المهاجرين و الأنصار و تقتله شرذمة أتت من الخارج على ما قيل و لا يدافعون عنه و يدفن في غير مقابر المسلمين و جيوش الصحابة تهزم فارس و الروم و يقتل أميرهم صبرا و يقال أنهم غير راضين أو مغلوبين على قتله, كل من تجرئ على الصحابة و قال بغير الحقيقة و قدح في القاتلين و الخارجين و المحاصرين و الراضين فقد أساء الأدب في حقهم و حاول أن يغسل الغائط بالبول فالسلامة السكوت لمن لا يستطيع أن يقول الحق و يترك أصحاب رسول الله صل الله عليه و سلم حيث ألزمهم الله فيلزم منه نسبتهم إلى الخور و المداهنة فلو حصل لرئيس يقتله أجانب وسط أهله و عشيرته و هم ينظرون لاستحقوا الذم فكيف بالصحابة الكرام فانه لا يحل أن يعتذر لشخص في سب آخرين , بعض يقول أنهم مرتدون و بعض يقول خوارج بعض يقول بغاة كل هذا جراءة على الذين مدحهم الله بقوله أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين الآية وقول بعض أنهم نهاهم عن الدفاع عنه و أمرهم بالتفرق عنه فيشبه قول المسيحيين لليهود أن مشيئة عيسى اختارت القتل, الهم ثبتنا بالقول الثابت وارزقنا محبة الصحابة , فيا إخواني أترون أن عليا يقبل البيعة من المرتدين و يدافع عنهم طالب الحق منهم ويدافع بهم و الله يقول و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا" انتهت كلمته.


قلت أنا : مهلا يا هذا ماذا يخرج من فيك؟ في حق من و على حساب من كل هذا التهجم؟ في حق عثمان أمير المؤمنين ذي النورين صاحب الفضائل المتراكمة كالجبال؟ المبشر بالجنة على لسان رسول الله صل الله عليه وسلم معتق الرقاب و مجهز جيش العسرة و راوي عطش المدينة كلها؟ في حق عثمان الذي تستحي منه الملائكة؟ كبرت كلمة تخرج من أفواهكم, تؤثرون عليه قتلة فجرة ملعونون على لسان رسول الله صل الله عليه و سلم كما قال عثمان و علي و طلحة و الزبير رضي الله عنهم, و تكذب على كبار الصحابة كعلي و طلحة و الزبير و عمار و غيرهم أنهم استحلوا دم عثمان؟ و تصف أن التابعين و الثقات من بعدهم الذين نقلوا إلينا الأخبار بأمانة و كتبها الأعلام و الأئمة الأجلاء في كل زمن أنهم أساءوا الأدب في حق الصحابة؟ ومن هم هؤلاء القتلة الفجرة؟


ثم أيها الكذاب قبل حين وصفت ابن جرير و ابن الأثير أنهما محققان ثقتان (و كلمة محققان هي مبالغة في تحري الحقائق) لماذا لم تنقل كلما ذكروه في ما صح في قصة عثمان وما كشفوا من خبث أولئك القتلة الفجرة الذين كذبوا و نافقوا و قتلوا ذا النورين بأبشع أنواع القتل و قطعوا أصابع زوجته و خربوا ما بداره و نهبوا و افسدوا وعتوا في الأرض و سرقوا بيت المال و زوروا الكتب عن الأعيان, ثم ما ذكروا المحققان عن مواقف كبار الصحابة في تلك الفتنة ودفاعهم دونه؟ أم هم ثقتان عندما ذكروا ما يوهم أنهم ضد عثمان بطريقة تركيبك و تلاعبك في نصوصهم و ذكرك للروايات المكذوبة التي أشار عنها ابن جرير و ما ابن الأثير إلا بجمّاع, و في آخر كلمتك الباطلة تحتج بموقف علي عندما قبل مبايعتهم له لكن أخفيت حقيقة ذلك كما سأبينه لما أنتقل إلى قصته مع كتابك.


تعتبر أحداث فتنة عثمان بداية لتحريف التاريخ عند الاباضية و الخوارج معهم, إذ يستعملوا كل الوسائل لإظهار تاريخهم و تاريخ أسلافهم الخوارج في أحسن صورة و لا يشاركهم أحد في العالمين في هذا الباب و نرى ما كتب الحارثي بعد كلمته لكي يزيد في تبرير براءة أسلافه القتلة و التصريح بتكفير عثمان عن وجه مخادع :


حيث نقل كلمة من أحد شيوخه و هو الشماخي الهالك " قال العلامة الشماخي النفوسي الاباضي : اختلف الناس في هذه الفتنة فقال بعضهم مسالة اجتهادية المصيب مأجور و المخطئ معذور و قيل كل مجتهد مصيب و قال أهل الحق (يعني الاباضية) دينية المصيب مأجور و المخطئ مأزور بل هالك بدليل فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله".


فانظر كيف يرى الأمور, ولم يقف عند هذا الحد بل نقل مقالة خبيثة عظيمة في حق أكابر الصحابة و قال "روي في العقد الفريد قيل لسعد بن أبي وقاص يا أبا إسحاق من قتل عثمان؟ قال : قتله سيف سلّته عائشة و شحذه طلحة و سمّه علي, قلت فما حال الزبير قال : أشار بيده و صمت بلسانه.



و هذا كتاب يحكي لنا تاريخ الخوارج و بداية الاباضية و مواقفهم و تاريخ أعلامهم و قد أبدى مفتي عمان الأسبق و الحالي كلمات التقدير لهذا الكتاب الباطل و أغلب كتب التاريخ لدى الاباضية تنتهج هذا الأسلوب و المرة القادمة سأبين ما كتبه الاباضية حول وقعة الجمل و ما بعد ذلك من أحداث حرّفها الاباضية تحريفا كبيرا عن الواقع و بررها الكتّاب الاباضيين المعاصرين بفلسفتهم , و سأتحدث عن كتب التاريخ الأخرى المعتمدة لدى الاباضية غير كتاب الحارثي, أرجو أن تكون تدخلاتكم عن طريقة علمية بعيدا من الكلام الغير اللائق من فضلكم.


 

التعليقات

 
 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة ( من هم الإباضية )